Article المقال Portrait البورتريه ( Septembre )
أحبّت القراءة
منذ الصغر، فقد كانت في العاشرة رُبّما أو الحادية عشر من عمرها عندما أخبرتها صديقتها للمرّة الأولى عن سلسلة "هاري بوتر" وكانت قد صدرت منها أربعة
كتب فقط. فقرأت الكتب الأربعة باللغة الفرنسيّة ومنذ ذلك الحين راحت تلتهم الكتب باللغة العربيّة واللغة الفرنسيّة من دون تفريق.
بدأت
بكتابة أشعار صغيرة، ثم رويدًا رويدًا اتّجهت نحو كتابة القصص. تقدّمت ذات مّرة
إلى مسابقة في الشعر ومسابقة في القصّة القصيرة. كانت تريد أن تفوز بجائزة الشعر
لكنّها فازت بجائزة القصّة القصيرة، فكما يقول المتنبّي في شعره "تجري الرياح
بما لا تشتهي السفن" إنّما يبدو أن الرياح كانت أدرى بمصلحتها منّها، فرسمت
طريقها في كتابة القصص والروايات لا الشعر.
ٲختارت
أن تدرس اللغة العربيّة وآدابها في معهد الآداب الشرقيّة في جامعة القدّيس يوسف في
بيروت. ونظرًا لأنّ كتابة الرواية باتت هدفها الأوّل والوحيد دومًا، وجّهت دراستها
العليا نحو ما سيخدمها، فبعد تخرّجها من الجامعة، حصلت على درجة الماجستير في
اللغة العربيّة وآدابها من معهد الآداب الشرقيّة في جامعة القدّيس يوسف في بيروت، ومن
بعدها حصلت على درجة الدكتوراه في النقد الروائيّ من جامعة السوربون (Paris IV-Sorbonne).
نشرت
روايتين باللغة العربيّة، الأولى بعنوان "السماء تهرب كل يوم"، والثانية
بعنوان "الجنّة أجمل من بعيد".
إنّها
الأديبة كاتيا الطويل التي تعمل حاليًّا على كتابة فكرة رواية اجتماعيّة واقعيّة
تختلف تمام الاختلاف عن روايتيها السابقتين.
تعبر
بنا الٲديبة كاتيا الطويل حدود الزمن وتصحبنا معها في رحلة إلى الماضي مسترجعة
مراحل الطفولة الأولى ومراحل الدراسة المبكرة وتحكي لنا :
"المقرّبون منّي يعلمون أنّني أملك ذاكرة سيّئة جدًّا،
فأنا لا أذكر الأخبار ولا القصص ولا المعلومات وبالكاد أذكر الأسماء. حتّى أنّني
أحيانًا أنسى إن كانت القصّة التي في رأسي أعرفها من رواية قرأتها أو من صديق
أطلعني عليها. من سنوات دراستي الأولى أذكر القليل. أذكر أنّني كنت أحبّ مادّة
التاريخ وأنّ أساتذة اللغة العربيّة كانوا يكرهونني بالمطلق وجميعهم، على الرغم من
أنّني كنتُ أعشق هذه المادّة وأجتهد ليروا أنّني بارعة فيها. في مرّة أذكر أنّني
قدّمتُ إجابة صحيحة على سؤال في تحليل النصّ وكانت إجابتي تطابق إجابة المعلّمة
تمامًا، فعاقبتني ظنًّا منها أنّني استرقت النظر إلى دفترها وسرقت الإجابة منه.
أذكر كذلك أنّ خطّي كان سيّئًا جدًّا وغالبًا ما كانت معلّمات اللغة العربيّة
يعاقبنني عليه بإجباري على نسخ الكثير من الأسطر. لكنّ حصّة القواعد والإعراب كانت
المفضّلة لديّ دومًا. "
عن بداية
حبّها للقراءة، تقول :
"عمومًا
أفضّل قراءة الرواية. أحبّ قراءة كتب النقد كذلك لأنّها تهذّب كتابتي وتصقل
ذائقتي. بدأتُ بالقراءة منذ الصغر كملجأ من وحدتي، فصحيح أنّني نشأتُ في عائلة
كبيرة وكنّا نقوم فيها بنشاطات كثيرة مشتركة، إلاّ أنّ أشقّائي الثلاثة هم من
الصبيان وهم أكبر منّي سنًّا بكثير، وبالتالي لم يكن بإمكاني أن أنضمّ إليهم وإلى
أصدقائهم وإلى مشاويرهم دومًا. فرحتُ ألوذ بكتبي وبالقصص. أؤثر الرواية على الشعر
لأنّها تحمل العوالم التي أتوق إلى اكتشافها واعتناقها. أمّا الشعر فالمفضّل لديّ
هو الشعر العموديّ الكلاسيكيّ، شعر الجاهليّة وصدر الإسلام مع شيء من شعر الخمرة
من العصر العبّاسيّ. أمّا سير المتصوّفة وقصائدهم وأناشيدهم فهي الدواء لكلّ
الأحوال."
أمّا عن
بداية حبّها للكتابة، فتصرّح لنا قائلة:
"فعليًّا لا أدري متى بدأت بالكتابة. لا يمكنني أن أتحدّث
عن لحظة قلتُ فيها لنفسي إنّني الآن سأبدأ بالكتابة. لا يقرّر المرء أن يكتب بين
ليلة وضحاها. تجري الأمور بشكل هادئ وتتراكم. الكتابة مهنة لا تحتاج إلى قرار بل
إلى وقت. كنتُ أستمتع بكتابة مواضيع الإنشاء وكنتُ أعشق القصص التي أقرأها كما
أنّني كنتُ أتمتّع بفضول هائل لفهم الأمور والناس والمحيطين بي وتخيّل أنماط عيشهم
وطرق تفكيرهم. بدأت بكتابة أشعار صغيرة، لا أدري إن كان يمكن أن نسمّيها أشعارًا،
ثمّ رويدًا رويدًا اتّجهتُ نحو القصص. تقدّمت ذات مرّة إلى مسابقة في الشعر ومسابقة
في القصّة القصيرة. كنتُ أريد أن أفوز بجائزة الشعر لكنّني فزت بجائزة القصّة
القصيرة، فكما يقول المتنبّي في شعره "تجري الرياح بما لا تشتهي السفن"
إنّما يبدو أنّ الرياح كانت أدرى بمصلحتي منّي، فرسمت طريقي في كتابة القصص
والروايات لا الشعر. "
بعد
حصولها على شهادة الثانوية العامّة، ٲختارت أن تدرس اللغة العربية وآدابها في معهد
الآداب الشرقيّة في جامعة القدّيس يوسف في بيروت. عن
سبب اختيارها لدراسة اللغة العربيّة وآدابها، توضح لنا:
"من النادر بمكان أن يستطيع أحد
التخصّص بما يحبّ أن يقوم به وبما تميل إليه نفسه. عشقتُ الأدب منذ صغري ولكنّ
فكرة تخصّصي فيه لم تكن واردة ولم تقع إلاّ محض مصادفة. أظنّ أنّ الأقدار هي التي
تسيّر الإنسان نحو ما هو مكتوب له، فأنا من المؤمنين بشدّة بالمكتوب وبما تحتويه
آية سورة التوبة من القرآن الكريم من معانٍ: "قل لن يصيبنا إلاّ ما كتب الله
لنا". سمعتُ مصادفة بوجود معهد آداب شرقيّة في جامعة القدّيس يوسف في بيروت
وهي من أعرق جامعات لبنان وأفضلها. فتقدّمت بطلب انتساب إلى الجامعة من دون أن
أتقدّم إلى أيّ جامعة أخرى أو إلى أيّ اختصاص آخر غير الأدب العربيّ. أذكر هذه
الحادثة وأستغرب من نفسي تهوّري هذا، فأنا بطبعي أتجهّز للاحتمالات كلّها دائمًا.
لم أتقدّم بطلب انتساب إلاّ لجامعة واحدة واختصاص واحد، على أنّ الجامعة أعلمتني
بأنّه لم يكن هناك من طلاّب أدب عربيّ لسنوات ولم يكن هناك متخرّجون منذ مدّة.
لحظّي تمّ فتح صفوف في تلك السنة وكنت ضمن الدفعة الأولى التي تتخرّج. "
وعن
مرحلة الدراسة في الجامعة، تذكر لنا :
"كانت مرحلة الدراسة الجامعيّة
مرحلة مذهلة بالنسبة إليّ. تعلّمتُ فيها الكثير عن الأدب وعن فنّ الرواية وعن
نفسي. تعلّمتُ المنهجيّة في البحث والكتابة والتفكير. صقلتني هذه المرحلة وأخرجتني
من قوقعتي. كتبتُ في هذه المرحلة روايتي الأولى التي لم ترَ النور والتي للأسف لا
أدري في أيّ ملفّ أو على أيّ حاسوب هي موجودة. التقيتُ في هذه المرحلة بأصدقاء كثرٍ+
ما زالوا في حياتي حتّى اليوم، عرفتُ معنى التضحية، معنى الحبّ، معنى الصبر، معنى
التفهّم. تعلّمت التعاطف مع الآخر، مساعدته، تفهّم ظروفه والمكان الذي يأتي منه.
تعلّمتُ أنّ الشرّ لا يقع لرغبة في نفس المرء بل لضرورة، لتربية، لطريقة تفكير.
تعلّمتُ في هذه المرحلة أنّ الطبيعة البشريّة ثريّة وكثيفة ولا يوجد فيها أبيض
وأسود فقط، بل درجات ودرجات من الألوان. "
أمّا عن
مرحلة الدراسات العليا وعن اختيارها لمواضيع الرسالة الجامعيّة وأطروحة الدكتوراه،
فتحكي لنا:
"كانت كتابة الرواية هي هدفي
الأوّل والوحيد دومًا. لم أكن أجيد القيام بأيّ أمر آخر ولم أكن أريد أن أجيد
القيام بأيّ أمر آخر. فوجّهتُ دراستي نحو ما سيخدمها. تناولت في رسالتي شؤون الصرف
والنحو وقرأت كتب قدامى النحاة من ابن جنّي إلى المبرّد فالزجّاج. عشقتُ كذلك
المعاجم، معاجم اللغة ومعاجم المفردات والأضداد والأخطاء الشائعة. أمّا أطروحة
الدكتوراه التي عملتُ عليها في باريس فأردتُ فيها أن أعمل على النقد، فتناولتُ
موضوع الرواية في المجتمع العربيّ وتأثير السياسة والمال والجوائز على كتابة
الرواية العربيّة المعاصرة ونشرها ونقدها وترجمتها. "
وها هي
تخبرنا عن تجربتها أثناء التحضير لشهادة الدكتوراه في الغرب وكيف أثّرت إقامتها في
باريس على علاقتها بالوطن.
"غادرتُ
بيروت إلى باريس وأنا في السادسة والعشرين من عمري. كنتُ مفعمة بالقراءات حول هذه
المدينة الرائعة وكنت في غاية الحماسة للإقامة فيها. كانت مغامرة رائعة بكلّ
تفاصيلها، من حيث الصفوف والأبحاث والأساتذة والأصدقاء. أقمتُ في المسارح وصالات
السينما. زرتُ متاحف كثيرة ومعارض وثقّفت نفسي وهذّبتها. لكنّني كنتُ أعلم دومًا
في قرارة نفسي أنّني سأعود إلى لبنان. لم أعمل في فرنسا ولم أقدّم إلى الجنسيّة
الفرنسيّة ولم أتصوّر يومًا أنّني سأعيش في باريس أو سأموت فيها. كنتُ أعلم دومًا
أنّ بيتي وأرضي وهويّتي هي في لبنان ولم أكن لأغادره تمامًا يومًا. أذكر أنّني ذات
مرّة وأنا في مطار بيروت عائدة للتوّ من باريس لإمضاء عطلة عيد الميلاد المجيد مع
عائلتي قال لي الموظّف بأنّني أشبه بركضي نحو بوّابة الخروج السجين الذي أفرِج عنه
للتوّ. لا ينسى المرء أبدًا جذوره وإن أجبر على تركها وراءه. الوطن مفهوم مغروس في
نفس الإنسان وروحه وقلبه مهما ابتعد عنه ومهما حاول الهرب منه. "
تحتلّ
الأسرة مكانة ومكانًا خاصًّا في قلبها وعقلها، وعن هذه المكانة تقول:
"الأسرة سلاح ذو حدّين. هي الأمر
الوحيد الذي لا مفرّ منه ولا يمكن التخلّي عنه مهما قسا علينا، لكنّها أيضًا في
أحيان كثيرة الملجأ من العالم والبشر. الأسرة في حالتي، بإيجابيّاتها وسيّئاتها،
هي ما جبلني وما جعلني على ما أنا عليه. أسرتي هي في الوقت نفسه منهل حرّيّتي
وقوّتي وتماسكي لكنّها الرقيب الذي يظهر في لاوعيي كلّما كتبت. لذلك أجد أنّ أصعب
ما في مهنة الكتابة أن ينسى المرء هويّته واسمه وعائلته ومكانته في المجتمع
والتوقّعات المرجوّة منه ليكتب ما يمليه عليه الأدب والإبداع. الكتابة هي المهنة
الوحيدة التي يجب أن ينسى فيها المرء ذاته وشخصيّته ليلمع. "
بخصوص
الصعوبات والتحدّيات التي واجهتها من خلال رحلتها الإبداعية مع الكتابة، وكيف
ٲستطاعت أن تتخطّاها وتتجاوزها، فها هي توضح لنا :
"حالفني الحظّ في حياتي العمليّة
والعلميّة أن التقيتُ أساتذة مرشدين رائعين أخذوا بيدي وقادوني في حقل الأدب
العربيّ الشائك والمعقّد. ككلّ مجال في هذا العالم يحتاج النشر إلى معرفة الأشخاص
المناسبين وإلى أن يكون العمل المقدّم جيّدًا ومكتوبًا بمهارة. تمكّنت من نشر
روايتي الأولى في دار نشر هاشيت أنطوان اللبنانيّة بفضل رئيس تحرير الصفحة
الثقافيّة في جريدة الحياة عبده وازن الذي وجّهني لإرسال مخطوطة روايتي
الأولى إلى رنا حايك المسؤولة عن هذا الشأن في الدار. عملنا أنا ورنا على روايتي
الأولى ومن بعدها على روايتي الثانية وكان ذلك فاتحة علاقة صداقة مهنيّة وشخصيّة
جميلة. أعتبر نفسي محظوظة لأنّني نجوت من أفخاخ هذا المجال ومن المحسوبيّات التي
تحصل والتي تؤثّر كبير تأثير على مسيرة الكاتب وسمعته ومستقبله."
كتبت
ونشرت كتبا أدبيّة ( روايتان )، وها هي تحدّثنا عن موضوع كلّ كتاب أدبيّ من الكتب
التي كتبتها، فتقول:
"وضعتُ روايتيّ الاثنتين بوحي
من طفولتي والميثولوجيا الإغريقيّة وعلاقتي بالكنيسة والله وأسئلتي حول الأمور
التي تصيب المرء في هذه الدنيا. إنّ أزمة الإنسان الحقيقيّة تكمن مع الله وليس مع
رفيقه الإنسان العالق هو الآخر في هذه المحنة التي يسمّونها الحياة. الحياة قاسية
وصعبة وغير متوقّعة. محفوفة هي بالأوجاع والمآسي والأحزان وغالبًا ما يؤذي المرء
المحيطين به بينما يجب أن يتوجّه في شكواه إلى الخالق الذي وضعه على وجه هذه
البسيطة. ويأتي الموت بألغازه ليزيد الطين بلّة ويرمي الإنسان في دوّامة أكثر
هياجًا واضطرابًا. من هنا تساؤلاتي وإيماني بعبثيّة هذه الحياة وكتاباتي في شأن
الخلق والعلاقة بالخالق ومصير الإنسان، هذا الكائن العاجز المسيّر الذي لا حول له
ولا قوّة. "
تميل
في كتابتها إلى الموضوعات الوجوديّة والرمزيّة. وها هي تخبرنا عن نظرتها إلى الله
والحياة والموت.
"أميل
بآرائي إلى العبثيّة وإلى الرواقيّة. فالرواقيّون هم أولئك الذين يدعون إلى الصبر
والتحكّم بالمشاعر والتناغم مع العالم وأحداثه لفهمها وتقبّلها والتعامل معها.
برأيي، إنّ الإنسان لا يمكن أن يتحكّم بما يحصل في هذا العالم إنّما يمكنه أن
يتحكّم بردود فعله وحدها، وأنا دائمًا ما أجهد لأتحكّم بمشاعري وردود فعلي كما
أسعى لأتصرّف بأسلم الطرق إزاء ما يواجهني، لذلك أجد في بعض الأحيان أنّ
اللامبالاة والصمت والتجاهل هي خير الحلول وخير ردود الفعل. الحياة والموت أمران
ليس بيدنا التحكّم بهما، إنّما بيدنا التحكّم بأنفسنا. إنّ الصبر على المشاق وعلى
الأوجاع وعلى الموت وعلى الفقدان هو الحلّ الوحيد الذي بيد الإنسان. لذلك أجدني لا
أتمنّى لنفسي يومًا أن أكون أمًّا لأنّني لن أستطيع أن أحتمل أن أرى ابني أو ابنتي
في محنة وفي ألم وفي مواجهة فناء محتّم، فكما كُتب على قبر المعرّي:
"هذا ما جناهُ عليّ أبي وما جنيتُ على أحد." منتهى
السعادة هو ألاّ يتعلّق المرء بأيّ شيء من أشياء هذه الحياة الفانية لتمرّ الأيّام
بأقلّ ضرر ممكن. "
عن حبها
واهتمامها بكتابة مقالات في النقد الأدبيّ في الصحافة الثقافيّة إلى جانب الأبحاث
والكتابة الأدبيّة الروائيّة، توضح لنا :
"أجدني محظوظة في حياتي لأنّني
أستطيع أن أتعاطى الأعمال التي يحبّها قلبي. فأنا أكتب الرواية إنّما أيضًا أدرس
نقدها لأتمكّن منها ومن كتابتها بشكل أفضل، كما أنسج علاقات مع كتّاب آخرين ونقّاد
آخرين عبر الأبحاث والمقالات التي أقوم بها. وكأنّ الحلقة مكتملة لديّ. فأنا قارئة
أستمتع بالنصوص التي بين يديّ، ودارسة للنقد لأتمكّن من تذوّق الأدب وتقييمه،
وكاتبة رواية كمصبّ تجريبيّ عمليّ لكلّ ما قرأته وتعلّمته. "
تُعبِّر
لنا عن رأيها في التغيير أو الأثر الذي يمكن أن يتركه الأدب على حياة الإنسان (
القارئ)، فتقول :
"يتحدّث
عالم الاجتماع والناقد الفرنسيّ بيير بورديو عن رأس مال رمزيّ أو رأس مال ثقافيّ
وهو ما يراكمه الإنسان على مرّ السنوات من ثقافة وقراءات واطّلاع فكريّ. الرأس
المال المادّيّ هو ما يراكمه من أموال وممتلكات، أمّا الرأس المال الثقافيّ هو ما
يراكمه من تجارب أدبيّة وفكريّة وثقافيّة وجماليّة وإستيطيّقيّة، هو ما يخلق
ذائقته وقيمه وقدرته على الحكم على الأمور. بالتالي الأدب يكتسب قيمته بالتراكم
ولا يمكن أن يقيسه المرء لا بمكيال ولا بميزان بل بمجمل تصرّفات وسلوكيّات وطرق
تفكير. القراءة تمنح المرء انفتاحًا وتسامحًا وتفهّمًا تجاه الآخر، تمنحه ثقة
بنفسه وطيبة وتعاطفًا وتمنعه عن الأذيّة والقسوة وإلحاق الضرر الشفهيّ والمعنويّ
بالآخر. يملك الأدب دورًا طبعًا، لكنّه دور ناعم، دور باطنيّ، لا يظهر على العلن
لكنّه يحوّل المجتمعات إلى أماكن أفضل للعيش ويحوّل الإنسان إلى كائن أفضل يأخذ
بيد المحيطين به ويرفعهم ويمنحهم شيئًا من السلام الذي قد تكون الحياة قد بخلت به
عليهم."
تُنهي الأديبة
كاتيا الطويل اللقاء معنا بالحديث عن نوع العمل الأدبيّ الذي تكتبه حاليًّا وسبب
ٲختيارها له، فتقول :
"أعمل حاليًّا على فكرة رواية
اجتماعيّة واقعيّة تختلف تمام الاختلاف عن روايتيّ السابقتين. فأنا لن أميل إلى
الأليغوريا ولا إلى الرمزيّة هذه المرّة بل سأنتقل إلى المجتمع والإنسان بكلّ ما
فيهما من صلافة وجلافة وغرائز وأتمنّى أن أستطيع أن أنقل إلى الورق الطاقة والفكرة
والشخصيّات التي في ذهني. هذا هو هدفي الرئيسيّ في هذه الفترة إلى جانب مقالاتي
وأبحاثي وقراءاتي التي ترافقني يوميًّا."

Commentaires
Enregistrer un commentaire