Article المقال Portrait البورتريه (Février)
إعداد
نجيب محفوظ نجيب
كاتب و باحث و مترجم
في المجمل، كانَ وَما يزالُ لي عالَمٌ لي وَحدي،
صَمَّمتُهُ على مقاسِ عُمقِ رؤيَتي للأشياء وَالأشخاص. أنطلق دَوماً في تقييمي
وَمُعايَنَتي لِكُلّ ما هُوَ حَولي، من الداخل إلى الخارِج، وَليسَ العكس كما هوَ
متعارَف عليه."
وعن بداية حبها للنصوص الشعرية ، تذكر لنا :
" لَطالَما كُنتُ
مولَعةً بِقراءَةِ أيّ لَونٍ أدبِيٍّ يَقَعُ تَحتَ يَدي، ولكن خلال السنوات العَشر
الأخيرة جَذَبَني الشِّعرُ – وَخصوصاً العالَمِيّ مِنهُ- إلى عالَمِهِ المزدَحِم
بالانطباعات الإنسانية المتشعبة مثلَ مجموعة ألوانٍ متضارِبة على لَوحِ تَلوين
نَسِيَ رَسّامٌ أن يُنَظِّفَهُ.
لقد لَمَستُ في الشِّعرِ حالات تَجَسُّدٍ مشهديَّةٍ عظيمة للمشاعِر وَالانفعالات وَتصاويرَ عقلِيّةً غَير مَألوفة، بِشَكلٍ يَعكِسُ عَظَمَةَ هذا الكيان الذي نُسَمّيهِ الإنسان. كَأنَّما كُلُّ الحَواسِّ تَعمَل كَكاميراتِ رَصدٍ وَتَوثيق لِيَومِياتٍ تَغلي داخِلَ النَّفسِ البشريّة وَتتدَفَّقُ دونَما تَوَقُّفٍ عِندَ قانونٍ أو حدود حتى تَصِلَ إلى درجة الجُموح. هذا الانسيابُ الحُرُّ المُثيرُ للاستغراب وَالذي يُجبِرُ القارئ الجَيِّد في أحيانٍ كَثيرَة على التوَقُّفِ عِندَهُ والإنصات بِجَوارِحِه إلى شَطرٍ ما يُحاكي بالضرورة شَيئاً داخِلَهُ، هُوَ ما شَدَّني إلى جمالية النّص الشّعريّ وَعَظمَة صِدقِهِ وَشجاعَتِه في مواجهة الواقِعِ القاسي بِشجاعةٍ وَاستِحقاق وَإن بِأعيُن دامِعَة وَقلبٍ جريح."
أحبت القراءة و هي في سن مُبكِرَة، و عن
بداية حبها للقراءة تحدثنا قائلة :
" منذ عمر التاسعة
تقريباً، اعتدتُ أن أنتَحي زاويةً في بيتنا، فيما أمي وَأخَوَيَّ وَالوالِد
يتسامَرون أو منشغلون بالحياة اليومية، وَفي يَدي كِتابٌ أقرَأ صفحاتِهِ بِهدوء. كذلك كان لَدَيَّ
ما يُشبِهُ الهَوَسَ في تشكيل النصوص التي تمرُّ على ناظري نَحَوِياً كَنَوعٍ مِنَ
التدريب اللغوي، كُنتُ مولَعَةً بَتَفَحُّص مدى مُواءَمَة إيقاع حَرَكاتِها
لِسَمَعي وَلوَتيرَة النّص الذي تنتمي إليه.
أوّل ما قَرَأتُ كانَت كُتُب أمين معلوف، مي
زيادة، ميخائيل نعيمة وَغيرهم الكثير من الروائيين وَكتّاب القصص القصيرة، بعدَها
وَمع كل سنةٍ كنتُ أكبُرُ فيها كان اطّلاعي يزدادُ يوماً عَن يَومٍ نحوَ كُتّابٍ
عَرَب وَعالَميين في شتى فنون الأدب، وَلَعلَّ أحَبَّهُم إلى قلبي حتى اليَوم: ميلان
كونديرا، فرانز فانون، ألبير كامو، آرثر شوبنهاور، سيمون دوبوفوار، جان جينيه، إميل
سيوران، بسام حجار، بول إيلوار، فيسوافا شيمبورسكا، مايا أنجلو، سركون بولص وغيرهم
كُثُر."
عن عملها في مجال الترجمة وتعاونها مع
المؤسسات الثقافية في مجال الكتابة الإبداعية وَالتحرير وَالترجمة, تحدثنا قائلة :
" اتجهتُ نَحوَ العَمَلِ المتخَصِّص في
مجال التحرير اللغوي وَصياغة وترجمة المحتوى الإبداعي لأهم المؤسسات الثقافية
العربية والعالمية، إذ شَكَّلَ هذا التوجّه شَغَفي منذُ البداية وَحتى اليَوم. ولا
شَكَّ أنَّ مرحلة التعاون مع الصحف والمجلات وَالمؤسسات الثقافية شكّلت أساس
تواجدي في الوَسَط الثقافي وَمستمرّة معي دَوماً كَونَها أساسية لِصَقل مهاراتي
الفنية وَالأكاديمية على حَدٍّ سَواء.
عن البدايات، عملت كصحافية في القسم الثقافي
في جريدة السفير اللبنانية، وَتعاوَنت مع صحف ومجلات كويتية معروفة منها مجلة
الهدف الشهرية، صحف القبس، أوان، النهار ودورية ماري كلير بنسختها العربية.
جمَعَني بَعدَها تعاون مع مؤسسة بارجيل
للفنون في الإمارات، حيث عملت على تحرير كتابين يتناول كل منهما سيرة وإنجازات
اثنين من أشهر أعلام الفنون البصرية العرب، وهما الكويتي سامي محمد والعراقي ضياء
العزاوي بالتعاون مع منصة كاب للفنون المعاصرة والتي مقرها الكويت. بالإضافة إلى
تعاونها في الصياغة اللغوية وَتحرير وترجمة كافة نشاطات مؤسسة رؤيا للثقافة
المعاصرة في العراق. كما جمعني تعاون مع الفنان اللبناني الفرنسي علي شرّي
ودارDongola للإصدارات
الفنية المحدودة في كتابة النص العربي الأساسي المطوّل وصياغة المحتوى العربي الإبداعي
لكتاب "الطين" الخاص بالفنان. إلى جانب مشاركتي في ورشة عملية حول
الكتابة الإبداعية، مفهومها وأسس تطبيقها بالتعاون مع معهد مسك للفنون في المملكة
العربية السعودية ضمن نخبة من صناع ونقاد الفنون في العالم العربي، تَلَاها
التعاون مع غاليري SAW للفنون في كندا وتحت إشراف الأستاذ الجامعي وَقَيِّم
المعارِض العراقي الكندي أمين السادن، حيث تَشرفتُ بصياغة وَترجمة المحتوى العربي
الإبداعي كامِلاً لِلمعرض الفرديّ الذي أقامه الفنان العراقي علي عَيّال، وهناك
المَزيد لِلعمل عليه طبعاً."
بعد حصولها على شهادة الثانوية
العامة، درست الأدب
العربي الجامعة اللبنانية بيروت.
عن مرحلة الدراسة في الجامعة تذكر لنا :
" بالنسبةِ
لِشَخصٍ لَهُ طِباعي الانتقائية وَالحسّاسة لِلتفاصيل، لَم
يُشَكِّلُ المحيط الاجتماعي في الجامعة أهميَّةً كبيرَةً لَدَيّ، كُنتُ أكتَفي
بمتابعة محاضراتي وَأنصَرِفُ إلى عالَمي لِأضيفَ إلَيهِ مَعلوماتٍ جَديدَةً
اكتسَبتُها أثناء تحصيلي الجامِعِيّ.
هُوَ نَمَطُ حَياةٍ اتَّخَذتُهُ لِنفسي مُنذُ
نعومَةِ أظفاري، لَم يَكُن الانتماء المجتَمعِيّ يَهُمُّني كثيراً بِقدَرِ ما كانَ
يَهُمُّني التِزامي بالحفاظ على وجودي الباطِنيّ وَتَقَبُّل اختِلاف رؤيَتي للأمور
وَتَقييمي لِلأشخاص. أُحِبُّ الناسَ لكن أحتفظ بمسافَة بَيني وَبَينَهُم، تقفُ
فيها شخصيَّتي وَآرائي وَانطباعاتي في المنتصف بَيني وَبَينَهُم، يَهُمُّني
كَثيراً ألّا أخسَرَ اتصالي مَع ذاتي أو أُذيبَها في الآخَرين، وَيَهُمُّني كذلك
أن يطمَئنَ الآخَرونَ لِوجودي بينَهُم وَإن من خلال مَسافة نفسية وَشعورية فاصِلة
بَينَنا. هذا بِرَأيي ما يُسَمّى بالذَّكاء العاطِفي وَالضروري جداً تواجده في
الشخص قبل أي ميزة أو مهارة اجتماعية ثانية، كَونَنا مخلوقات عاطفية وَحدسيّة بالفطرة
وَإن ادّعَينا عَكسَ ذلك."
كتبت و نشرت (مجموعة شعرية) بعنوان (هاوِيَةٌ
بَيضاء في عَينِ طائِر).
و ها هي تحدثنا عن موضوع المجموعة الشعرية التي كتبتها و نشرتها:
" بإمكاني وَصف "هاوية بيضاء في
عَين طائر" بأنه ألبوم من المشاهد وَالمشاعر وَالمواقف التي اختزنت في ذاكرة
مريم الطفلة والشابة اليافعة. يُعَدّ هذا الإصدار أكثر من مجرد كتاب شعريّ بالنسبة
لي، إذ أنه يُوَثِّق لِمراحل عديدة عاشَتها مريم الإنسانة وَالشاعرة بشكل مُدمَج
وَمُكَثَّف.
أكثر ما أحب في الإصدار أنّه قدّمني للناس
بِصورتي الفعلية دونما تصنع أو كلفة، وَهذا في الحقيقة ما أحرص عليه في كافة جوانب
حياتي وَخصوصاً في الفنّ، فأنا أعتبر الشعر مثله مثل سائر الفنون، هو السيرة
الذاتية للفنان، وعليه فإنّه من الجيد أن يحتفظ ببصمته الخاصة وَطابعه الشخصيّ مع العمل
الدؤوب على تطوير الشِّقّ الإبداعي من ناحية الإضافات التخييلية وَالاجتهادات
اللغوية بالطبع."
ٲما عن بعض الصعوبات و التحديات التي واجهتها أثناء رحلتها مع الكتابة
و النشر و كيف ٲستطاعت أن تتخطاها وتتجاوزها، تقول :
" مثل عادَتي في
سائر أمور الحياة، تمهلت كثيراً قبلَ أن أقرر التعامل مع أي دار نشر لإصدار
"هاوية بيضاء في عين طائر". خلال هذا التمهّل كنتُ أعاين وَأتابع عن كثب
ردود الأفعال وَالآراء وَالشكاوى حول الوضع العام لدور النشر العربية، وَأحاول قدر
الإمكان تصميم قائمة أهداف معنوية لا بدّ للإصدار أن يحقّقها بدلاً من الاهتمام
بالعوائد المادية من النشر.
وَالحقيقة أن هذا التمهل أفادني كثيراً،
كَونَهُ ساعدني لأكون أكثر ثباتاً وَأوضح رؤية في اختياري لدار النشر المناسبة،
وَلحسن الحظ فإنّ دار النشر التي لفتتني نوعية وجودة إصداراتها هي أيضاً
اختارَتني، فَكان التعاون أكثر من رائع مع دار "لازورد" العراقية
الهولندية التي تجمعني بمؤسسها الأستاذ محمد الأمين الكرخي، الشاعر وَالمترجم
العراقي الفذّ علاقة قارئ وَكاتب وَمترجم، أي أن أساسها احترافيّ وَذوّاق، سواء من
ناحية الدار أو من ناحيَتي، وهو المطلوب في المجمَل لنجاح أي تعاون ثقافي وَفَنّيّ."
عن حبها و إهتمامها بكتابة النصوص النثرية والشعرية،
توضح لنا :
" هوَ أكثر من اهتمام، هوَ تقديرٌ
وَتمييز للشِّعر عن باقي الألوان الأدبية، ولكن ليس لسيطرة أحدها على الآخر،
فَلِكُلّ لَون أدبيّ جمهوره الذي لا يقلّ على مرّ السنين. َإنّما لأنّ الشِّعر كما
أسلفت، هوَ عبارة عن حالة استرسال بالغة في صِدقِها، وَهيَ لِخِفَّتِها قد تحتمِل
التصرّف وَالزخرف اللغويّ وَالصُوَريّ وَلكنّها في الوَقت عَينِه لا يمكنُ أن
تُحَقِّقَ هَدَفَها في الاستئثارِ باهتمام القارئ إلا إذا لامَسَت رُكناً حقيقياً
حدث أو يحدث داخلَهُ كَإنسانٍ يعيش وَيشعر على أرض الواقع.
هذا بِنَظَري ما يجعَلُ الشِّعرَ هوَ الفنّ
الأدبي الأقرَب إلى تصوير أحوال النفس الإنسانية باختصارٍ وَدونَما تَنميق
مشاعِريّ أو إسهاب، وَبالتالي إعمال وَتفعيل المهارة القصوى من العملية الوصفية
بِرمَّتِها، وَهي: "البَوح بالكثير وَالعميق وَلكن بأقلّ كلمات ممكنة"
وَهوَ النَّوع الأصعب في الحقيقة من الاعترافات الإنسانية."
عن مشاركتها في مجال الشعر وَالنّقد في الصحف
وبعض المواقع الإلكترونية وبعض المدونات, تقول :.
" نشرت لي نصوص
وَمقابلات ثقافية ومساهمات نقدية وَقصائد باللغة العربية، التركية والإنجليزية في
جهات ثقافية عربية وَعالمية متنوّعة منها: جريدة فنون/ مصر، العربي الجديد/لندن،
مجلة الجديد/ لندن، جريدة القدس العربي/ لندن، مجلة شرفة/ تركيا، قناة مريم/
لبنان، مجلة كلمات/ سوريا، جريدة الصراحة الثقافية الصادرة عن مركز شلا للفنون
بمدينتَي لندن البريطانية وأونتاريو الكندية، قناة عابرو الحدود للفنون/ سويسرا، مجلة
Ambit البريطانية العريقة،
مجلة نقد 21، مجلة Mitra الصادرة عن جامعة McGuill الكندية المرموقة،
مجلة أصدقاء ديونيزيوس الصادرة من الدار البيضاء/ المغرب، مجلة رواق الأدب الصادرة
باللغتين العربية وَالكُردية، وَمؤخراً كانت لي مشاركة في المهرجان الثقافي
التكريمي للفيلسوف الهولندي باروخ سبينوزا، وَالمُقام في مسقط رأسِهِ بمدينة
لاهاي/ هولندا، حيث تفضّل كلٌّ من الشاعر وَالمترجم العراقي محمد الأمين الكرخي
والأستاذة الجامعية في فن الخطابة وَكتابة القصص القصيرة السيدة آنيتا بولمان مَشكورَين بإلقاء
أحد نُصوصي باللغتين العربية وَالهولندية.
بالإضافة إلى مشاركتي في معرض لِلتشكيلي
اللبناني عبد القادري بعنوان "رفات آخر وردة حمراء على وجه الأرض"، حيث
عرضت مجموعة من نصوصي باللغتين العربية والإنجليزية، جنبًا إلى جنب مع الأعمال
الفنية في غاليري تانيت/ الجميزة، بيروت.
علاوة على ذلك، شاركتُ في ندوات شعرية وَحوارِيّة
متنوّعة منها ندوة المنتدى العربي الأوروبي للسينما والمسرح/ باريس بالتعاون مع
موقع بيت النص/ مصر والتي حملت عنوان: (إبداع الشاعرات العربيات: السِّمات
والتحديات) وَندوة تكريمية للشاعر العراقي عدنان الصائغ بالتعاون مع بيت الثقافة
وَالفنون في واشنطن/ الولايات المتحدة الأمريكية. وَآملُ الاستمرار بمواصَلَة تقديم
كل ما هوَ أصليّ وَاحترافيّ في عالَم الثقافة وَالفنون الذي أُحِبّ."
عن رأيها في
الأثر و التغيير الذي يتركه الأدب على حياة الإنسان ( القارىء )، فتقول
:
" شَأنُهُ شأنَ
سائر العلوم، بالطبع يشكّل الأدب مَخزوناً غَنِياً لِطالِبِهِ، وَبطبيعة الحال
فَإنّ كُلَّ ما يَمُرُّ عَبرَ أذهانِنا من معلومات وَمواقف شعورية أو واقعية،
ينطبع في الذاكرة على هيئة أرشيف لا واعٍ يظهَرُ ساعةَ الحاجَةِ إلَيه.
وَلَمّا كان الأدب بكافة فروعه هُوَ ذلك
الصندوق السّرّيّ الذي نُمَوِّه فيه كَكُتّاب تفاصيلَ حَيَواتِنا الإنسانية
وَأحلامَنا وَأفكارَنا لِنُقَدّمَها بَينَ يَدَي القارئ في دَفَّتَي كتاب، فَإنّهُ
مِنَ شروط صحة عملية القراءة، تبادُل المشاعر وَالمواقف بينَ الكاتب والقارئ على
مَتنِ لمحاتٍ خاطِفة تُصَوِّرُها ذاكرةُ الأوّل وَتتفاعَلُ معها عاطفة الأخير.
خلالَ هذه العملية السريعة تَجري عملية استقلاب عفوية في ذهنِ القارئ وتنشأُ
رابطَةٌ وَطيدَة بَينَهُ وَبينَ خاطرَةٍ أو مقطَعٍ ما، وَربما الكتاب كله،
ليُحدِثَ هذا المرور تفَتُّحاً وَنُضجاً في قلب القارئ وَعقله.. وَلَعلَّ أفضلَ
مَن صَوَّر فاعلية عملية الاكتساب العاطفي وَالمحاكاة العاطفية وَالثقافية
المتأتّية عن قراءة الأدب بكافة صنوفِه، هُو الكاتب يوسف إدريس حينَ قال: "
أن تكتب كتاباً، أن يَقتَنِيَهُ غريبٌ في مدينَةٍ غريبة، أن يختلِجُ قلبُهُ
لِسَطرٍ يُشبِهُ حَياتَه، ذاكَ هُوَ مَجدُ الكتابة"."
ها هي تحكي لنا عن تجربة دراستها للطرب والموسيقى
الشرقية في المعهد الوطني العالي اللبناني للموسيق :
" بالنسبة لي كَتلميذة، دَرَست فنّ الغناء الشرقي في
المعهد العالي لِلموسيقى وَتَلَمّذتُ على يَد أساتذة مرموقين أعتَزُّ بهم، مِنهُم
ريما خشيش، رونزا، عايدة شلهوب وَغيرُهُم كُثُر. كانت تجربة لطيفة تعرَّفت خلالَها
على أنماط موسيقية عديدة، وَقد ساهمت دراستي في المعهد بشكلٍ كبير في تهذيب سمعي
وَتعليمي مهارات التقاط الأصوات الموسيقية وَتطويع صَوتي لِمواكَبَتِها غِناءً
بطريقة ارتجالية تشبِه أدائي وحدَهُ دونَما تقليد أو تماهٍ مع أصوات مَن تعلّمت
أغانيهم من المُغَنين الكِبار.
كَقارِئة وَشاعِرَة وَمتذَوِّقة لِلفنون
الجميلة، تشَكّلُ الموسيقى بالنسبة لي، محرّضاً جبّاراً على استثارة الانفعال الذي
ينتج عنه نصٌّ ما، وبالمحصّلة فإنّ كل ما قد تنضح به قريحة الكاتب يأتي مذيّلًا
بتوقيع موسيقي حال سماعه مقطوعة ما ويظهر ذلك من تناغم اللغة الواحدة في النص
وتتبُّع المزاج العام الذي يسوق المشهد بأكمله. إنّ بمقدور الموسيقى أن تجلب إلى
ذهن الفنان لحظة انفعالية قد تكون الحياة المكتظة السائرة بسرعتها الجنونية قد
طوتها داخل لا وَعيه. هذه اللحظة بالذات إذا ما تمَّ التقاطُها برشاقة وتوثيقها هي
التي قد تصنعُ العمل الفَنّيّ بِرُمّته، وهذا سبب كافٍ بِرَأيي لِأعتبر الموسيقى
صَوتاً وَعَزفاً أحد أعظم ما ابتكر الإنسانُ مِن جماليّات بِالمُطلَق."
تنهي
الشاعرة مريم جنجلو اللقاء معنا بالحديث عن مكانة و دور الأسرة فى حياتها خلال
مشوارها الإبداعي, فتقول :
" الأسرة هِيَ المحطة الأولى التي
يتزوّد منها الإنسان عموماً بمَخزونٍ عاطِفيّ وَمشهَديّ وَسلوكِيّ يرافقه طيلة
عُمرِه تقريباً. جميلة وَمُطَمئِنَة هِيَ فكرة وجود أسرَة داعِمة وَمُحِبَّة
وَلكنّني أجنَحُ دَوماً نَحوَ الحفاظِ على اتحادي بِطِفلي الداخِلي – أَي مَريَم
الصغيرَة الضيفة في تلك العائلة- أكثرَ
مِن فكرة الانتماء وَالانصهار مع أفراد الأسرة خارِجِياً. لِما لِذلكَ من تداعِيات
نَفسية سوفَ تظهر فيما بَعد في حال لَم نتعلّم الانفصال العاطفي وَالاستقلال
بِشِقَّيه الشعوري وَالفعليّ عن أسرَتِنا، وَلَعلَّ أهم هذه التداعيات هوَ سيطرة
الاعتمادية العاطفية عَلَينا كَأفراد من المفترَض لهم أن يكونوا واعين بأهمية
إدراك أنّنا: "جئنا فُرادى وَنِرحَل فُرادى".
أن نولَدُ برفقة أشخاصٍ لَم نَختَرهُم وَيَنتَهي
بِنا المطافُ دَوماً إلى اختيارِ أنفُسِنا مع الاحتفاظ بِمَحَبّتهم في قلوبنا
وَذاكِرَتِنا، هذا هُوَ المفهوم الأصليّ للأسرة بالنسبة لي. ويبقى طبعاً الامتنان
وِالألفة مع باقي أفراد الأسرة قائماً مِن مُنطلق وَعيِنا بِإنسانِيّتِنا القائمة
على التعاطف لا القَولَبة.
بالنسبة لي كَامرَأَة وَأُم عاشَت تجربة
الطلاق مع احتفاظي بحضانة ِوَلَدي الوَحيد، أحرِصُ دَوماً على تَوعِيَة مالِك بهذه
الأساسيات التي ذكرتها آنِفاً، أسانِدُهُ وَأحاوِرُهُ بكافة الأشكال المُتاحَة لي
كَأمّ مُعاصِرَة ولكن لا أذكر أنّني مارَستُ عليه سُلطَتي بِشكلٍ مُسَيطِر يَوماً،
بِالعَكس، أفضّلُ مجاراتِهِ في مراحِلِهِ العُمرية على اختلافِها كَصديقة
مُقَرَّبة وَمُرَبّية روحية، وَإذا احتاجَ سلوكُهُ مني لِأَيّ تَقييم أو تَدَخُّل
فَإنّني أحرص على أن أكونَ أكثرَ لُطفاً وَهدوءًا واحتراماً لِحُدودِهِ وَقدراتُه
النفسية وَالعاطفية وَكذلك العقلية.
الأطفال كائنات مُستَنيرَة بِالفِطرَة، لديهم
الكَثير لِيُعَلِّمونا إيّاه نَحنُ الكِبار، مَتى ما أدرَكَ الأبَوان هذه الحقيقة،
فَإنّ رحلة الأمومة وَالأبوّة وَتكوين عائلة سَوف تَكون أجمل وَأرقى ما يَكون.
بِبساطة، علاقَتي بالأسرة هي علاقة شراكة
وكيمياء عاطفية قد توجد وَقد لا توجد، وَفي الحالَتَين تتّسم العلاقة بالهدوء
وَالحدود الصحيّة، لا أحبّذ العلاقات الأسريّة القائمة على التراتبية السلطَوِيّة
أو التَدَرُجات العُمرِيّة أو تنازُع الصلاحيات أو حتى التَعَلُّق المُبالَغ به.
وَفي اعتقادي فَإنَّ هذا النّهج هُوَ الأكثر مرونة وَالأقلّ تَشويهاً لِمفهوم
صِلَة الدَّم الذي إن لَم نُحسِن قياس حُدودهِ النفسية وَالواقعية من منظور واثِق
وَعادِل، فَإنّه سَوف يُكَلِّفُنا الكثير من التنازلات لَيسَ من الطبيعي لِإنسانٍ
واعٍ وَحَداثيّ وكذلك عميق وَواثق من نفسِه، أن يُقَدِّمَها مهما بَدَت موغِلَةً
في لُبِّ المَوروث وَالسائد.
بمَعنى أوضَح، أيّ رابطة إنسانية لا تقوم على
الألفة والاحتواء وَالدعم وَالتقبُّل وَالمسؤولية العاطفية
الحقيقية وَالمتينة، وَالأهم من
كل ما سَبَق، الارتباط بِالله وَحضورُه الدائم داخِلَنا كَمَصدَر واحد وَأوحَد
للتعلُّق الآمِن وَكَأعظم معَلِّم وَمَرجَع للمسؤولية الأخلاقيّة المَنوطة بِنا كمخلوقات
مُكَرّمة على هذه الأرض، أيّة علاقة أو تَجَمٌّعٍ بَشَرِيّ بَعيدٍ عن هذه الرؤية
وَهذا التَّصَوُّر هُوَ حَتماً واهِن وَمُزَيَّف وَخاضِع بالضرورة لِبَرمجيات ماديّة
بَحتة، مهما تشعَّبَت جذوره العرقية وَتَعَمَّقَت انتماءاتُهُ الواقعية وَالمشاعِرِية."
نصوص شعرية للشاعرة مريم جنجلو
/انعِتاق/
مثلَ هواءٍ خفيف أمضي وَلا أنظرُ
خلفي.
من فوقِ عمود إنارة مُطفأ أُحصي مع
بائعِ العلكة غلّتَهُ،
وَأساعدُ ماسحَ الأحذية في تلميعِ
صُوَرِ المارّة.
قلبي لؤلؤةٌ في جَوفِ سمكةٍ نافقة،
داخلَ زَورقِ صيدٍ رَطِب
وَمثلَ كسرةِ خبز مُبتلّةٍ أنامُ على
نفسي.
أخرُجُ من الأفواهِ على ظَهرِ أغنية
وَأدخُلُ بين الأرجُلِ مثل جروٍ هجينٍ
في نُزهة.
أعرفُ لونَ الأرصفة عندَ المطر
وَأحفظُ حوارَ غريبَيْن لبعضِهما
قبلَ أن تُعلِنَهما المصادفةُ زوجًا
وَزوجة.
ديدانُ الأدراج المُعتمة أحصِنَتي،
وَالشّفاهُ طُرقاتُي الوَعِرة.
إنني مندفعةٌ دومًا مثلَ لَكمة،
مستعجلةٌ لِأَموتَ قبلَ الجميع،
فالشمسُ تنتظرُني بفستانٍ أسود
باعَت ضفائرَها في الحربِ
لِتشتريَهُ..
وَتُحرِّرَني.
/سُهد/
تقولُ إنّ أباها قذفَها وَنَهَضَ
مُسرِعًا
لم يقبِّل أمَّها،
فَوُلِدَت عرجاء.
مِن يومِها،
وَهي تترُكُ فِراشَها لِلَّيل يتدفّأ
به،
ترشُّ بالمِسكَ عكّازَيها،
فَيَصيرُانِ شفتَيْن،
بِحُمرَتِهما كتبَت أول مرةٍ اسمَها:
(هيميرا): أوَّلُ الصّباح.
كفُّها اللامعُ مِثلَ ريشة طاووسٍ،
تحفِنُ بهِ كَوْمًا من الآبادِ،
تحشو مخدةَ الحَرير،
وَبصَوتِها المَبحوح، تفحُّ في مفاصلِ
الخلاء:
(ميراج)، تعالْ.
كرمى لِحُزن عينَيها المقدّسَتَين،
أفلتَ السَّرابُ هراوتَهُ،
وَتجسّد.
وَهبَها وجهَهُ الزّهريَّ تُقوِّرُهُ
بأظافرِها،
مثلَ طفلةٍ حقودةٍ، تَلهو بِرغيفِ
خُبز.
جيدُها المُنسابُ الأملسُ، قربانُه،
مصكوكٌ بِنظرَتِهِ الغائمة،
تنأى ولا تمّحي، كأنَّها حُبٌّ مارِق
تبردُ داخلَ السّرَيرةِ وَلا تُنسى،
كَما
ثأرٍ قديم.
/نَسَب/
نَحنُ أطفالُ التجربة،
قُلوبُنا المُصفَرّةُ مثلَ زَهرِ
القُطن، فناجينُها الأثرية،
تُحَدِّقُ فيها،
وَتُعيدُها إلى خِزانَةِ الماضي
العالِيَة.
نَحنُ أطفالُ التجربة،
رَجَلَتنا من بَينِ فَخذَيها،
وَقامَت إلى قَبْوِها المُقفِر.
مِن صُندوقِ المَجهولِ، والِدِنا
السِّرّيّ،
تَناوَلَت مِشطَها المَكسور،
شَقّت بِسِنِّهِ الوَحيدةِ
الباقِيَةِ، غِلالةَ صُدورِنا،
حَيثُ الخَوفُ مُسَجًّى،
مِثلَ ذَبيحَةٍ هامِدَة.
قَشَطَت عَن فَمهِ زبَدَ الرَّغبَةِ
المُتَخَثِّرَ،
وَمِن لِحائِها الأبيَضِ، أرضَعَتنا.
أيتها التجربة،
يا أُمَّنا التي تَحبَلُ،
وَالقابلةَ التي تَلِد،
فَلتَزرعي داخِلَنا خمائلَ الأمَلِ
بِيَدِكِ العاجيّةِ،
وَباليَدِ ذاتِها،
قَلِّبي جَمرَ الآلامِ بِبُطءٍ،
عَلَّهُ يَبرُدُ وَيَنطفئُ لِلأبَد،
في وِجاقِ الذاكرة.
Commentaires
Enregistrer un commentaire