Article المقال Portrait البورتريه (Février)
الأديبة لجينة علي نبهان
رحلة إبداع أدبي في عالم الشعر
إعداد
نجيب محفوظ نجيب
كاتب و باحث و مترجم
أحبت النصوص النثرية منذ تحررت من أسر الموسيقا
التي تميز بها الشعر العمودي وأخذتها تلك الموسيقا الداخليه الأعمق في نصوص أدونيس
وأنسي الحاج وغيرهم وتلك الفلسفة التي يستطيع النص النثري حملها وإيصالها وذلك
التأثير الخاص للتكثيف بعيداً عن الحشو بالتركيز ، أحبت تلك النصوص فعلاً وبدأت
محاولاتها بكتابتها.
بدأت بكتابة مقطوعات نثرية بين الومضة ونصوص من الشعر الحرّ أو قصيدة النثر.
إنها الأديبة لجينة علي نبهان التي ولدت في سورية محافظة حماه من
قرية(الصبّورة) الواقعة على تخوم البادية التابعة لمنطقة السلمية، و التي صدر لها أربع
إصدارات نصوص شعرية نثرية.
تتذكر الأديبة لجينة علي نبهان مراحل الطفولة الأولى و مراحل التعليم قبل المرحلة الجامعية، فتقول :
" ماالذي أتذكره عن مراحل التعليم قبل المرحلة الجامعية
سؤال قد يبدو سهلاً للوهلة الأولى لكنه يزداد صعوبة كلما اقتربت من الخوض
فيه ا، فأجدني أكتب وأمحو دون أن أنجح في تجنب
ذكر ما لا يمكن تجنبه، الحدث الذي هزّني وعائلتي بما له من تداعيات وأثر
على سلوكي وتفاعلي مع المحيط ونظرتي إلى الأشياء كلها، وما تركه من بصمة في عمق
تفكيري وتركيبتي النفسية وتبلور شخصيتي
كيف يمكنني إغفال حدث بحجم اعتقال أخ
( لأسباب سياسية) كما لم أفهم حينها! اعتزال أب الحياة السياسية ( وقد كان
عضواً في البرلمان) كرد فعل وموقف وترجمة
لمشاعر الخذلان
وقد تزامن الحدثان مع دخولي المرحلة الابتدائية – الحدثان اللذان
وسما حياة العائلة و المناخ العاطفي والفكري والاجتماعي الذي نشأت فيه وتشكل فيه
وعيي والذي انطلقت منه وحملته معي ليس فقط
إلى الحياة المدرسية والمراحل التي تفضلت بذكرها ، بل رافقني وتغلغل في تكويني
في المدرسة ، كنت أشعر بالاختلاف عن باقي
الطلاب اختلافاً لم أستطع تحديد موقفي منه
ما لبث أن تبلور شعورا بالتحدي والاعتزاز
رغم كل شيء وإذا كان لابد من رسم الملامح والخطوط الأهم لتلك المرحلة فقد
كانت
مرحلة للاجتهاد (من منطق التحدي
ذاته) القليل من الأصدقاء، الكثير الكثير
من الأسئلة والتخيلات والأفكار والمواقف المعقدة خاصة بعد كل زيارة للسجن أعود
بعدها إلى المدرسة أقرأ ما تقوله العيون على اختلافه واحتفظ بما عدت به من قهر ومشاهد وأصوات
وتفاصيل مدركة مع الوقت خطورة الخوض في هكذا أحاديث لكثرة المتصيدين،
انصب اهتمامي باكراً على القراءة و الرياضة (كرة السلة تحديداً) لعبت مع
الفريق الذي يمثل قريتي (الصبّورة) في كل
المراحل العمرية. "
و عن بداية حبها
للقراءة تحدثنا قائلة :
" عن القراءة لا أذكر تاريخا أو توقيتاً
محدداً، أعرف أنني لطالما أحببت ذلك ومارسته بشغف ، فقد نشأت في بيت يضم مكتبة
لابأس، بها حرص والدي المهتم بالأدب والثقافة عموماً على وجودها، عن النوع الأدبي
فقد استهوتني الرواية بدايةً، قرأتها
بنهم، عشت بين سطورها وفي أخيلتها و تحليلاتها وأفكارها وتوثيقاتها وتجاربها ..كنت
أعيشها كواقع بديل بداية لكنها تحولت إلى وسيلة للفهم بل وللتفكير والتحريض على الرغبة في المزيد ،
عالم أجد فيه نفسي وأبحث عن أجوبة لأسئلتي وتفتح في عقلي أسئلة جديدة لا
نهائية خاصة وإن اهتمامي انصب على ذلك
النوع من الروايات التي حاولت الغوص في الأعماق البشرية رغبة في اكتشافها ، أسئلتها
دوافعها أصل أحلامها ، الغوص في اللاوعي الذي يكمن فيه الانسان الحقيقي كما يقول
ولسن. "
قد لا أكون قرأت كتب فلسفيّة بحته لكن الفلسفة كانت حاضرة في معظم ما قرأت
وينطبق ذلك على علم النفس أظن أن هاجسي الأكبر كان الإجابة على السؤال الأهم (
لماذا )
عن الشعر فقد كان حاضراً كحدث يومي نعيشه
كأسرة كانت سماعية بداية خاصة مع محمود درويش ومظفر النواب و نزار قباني
التي رافقت طفولتي حتى على أشرطة الكاسيت لأرفد ذلك بقراءة تلك التجارب إضافة إلى
شعر أدونيس الذي أعشق وأنسي الحاج و الشعر الحديث عموماً. "
أما عن بداية حبها للكتابة، فتقول :
" متى بدأت الكتابة؟ أظن
أن كل من كتب سيجد صعوبة في تحديد تاريخ
لذلك أيضاً ، الكتابة فعل مستمر في العقل،
ينضج في لحظة ما نصاً فيولد، نمزق
الكثير وينجو القليل ويبقى الأقل..وقد لا يبقى شيئاً! كما يقول الرائع أدونيس
" إن كل ما نكتبه من نصوص هي بروفات للنص الذي نريد والذي قد لا يكتب "
بدأت مقطوعات نثرية بين الومضة ونصوص من الشعر الحرّ أو قصيدة النثر.
"
عن مرحلة الدراسة
في الجامعة، تذكر لنا :
" الاختصاص الذي درسته هو معهد متوسط بترول وفي السطور التالية السبب
وراء هذا الاختيار
عن ذكرياتي في مرحلة الدراسة
الجامعية :
يبدو أن القدر أراد أن يقول شيئاً
فهمته لاحقاً حين حدثت تلك المصادفة أن يطلق سراح ( مصعب ) أخي صيف 1991تماما
في التوقيت الذي يفترض فيه أن أكون أمام هذا الخيار ، كان لابد أن يكمل مصعب
دراسته في كلية الطب التي حرم منها في السنة الثانية، حلم الجميع وحلم أمي بشكل
خاص، وبعد تلك المسيرة من الاستنزاف المادي الذي استمر طوال سنوات الاعتقال العشر
كان من الصعب تحمل نفقات دراسة جامعية
لشخصين في العائلة
فكان الخيار الأنسب -الذي أيده
الجميع تاركين الخيار الأخير لي- دراسة
متوسطة تؤهل للتوظيف المباشر بعد سنتين فقط، وهذا ما تم فعلاً.
كنت لأغفل هذه التفاصيل -التي قد
تفهم على أنها تضحية- لكنني أردت ذكرها لأقول أن الأمر كان مختلفاً بشكل جذري
بالنسبة لي، فقد رأيت في فيه تشابكاً في الأقدار مع أكثر كائن تأثرت به على وجه الأرض
وأشعر الآن وقد رحل الرحيل الأخير! أن روحه تسكنني ..
بدليل ما أنا عليه اليوم : أم في سن الخمسين طالبه في الجامعة الافتراضية السورية قسم
الإعلام و الاتصال bmc سنة ثانية وأم لشاب صيدلاني وآخر مهندس وزميلة
لابنتي التي تدرس الأدب الإنجليزي .
ما أذكره عن تلك المرحلة، بل ما لا يمكنني نسيانه أنها كانت المواجهة
الأولى مع الحياة خارج سور الحماية العائلي، بما في ذلك من تحديات قاسية خاصة في
ظروف مادية بالحد الأدنى، ما بقي محفوراً
أنني قضيت شتاءاً كاملاً من أقسى شتاءات سورية ربما، شتاء 1991 دون أيّ
وسيلة تدفئة، في أبرد منطقة من حمص ( حي الوعر) أسكن شقة في الطابق الخامس
ما لا يمكنني نسيانه أيضاً صداقات
لا يمكن أن تتكون إلا بمثل تلك الظروف حين تتقاسم الرغيف مع الآخر ( والعبارة هنا
حرفية )و بكل ما فيها من دلالات ، وحين يتخلى لك
صديقك – الذي قطعت معه عهد أخوّة – عن سترته التي يرتديها – كي
تدفئك في الرحلة العلمية الإلزامية
المقررة الى الشمال حيث توجد حقول النفط الاختصاص الذي كنت أدرسه
عن الهوايات استمريت في القراءة وحضرت أكثر من فيلم في تلك الفترة حين يتم الإعلان
عن عروض مجانية للطلاب."
" عن بدايتي في الكتابة الأدبية، الكتابة كما - ذكرت قبل قليل- فعل
مستمر الحدوث في عقلي فعلاً ، أفرغت الكثير و مزقت وضيعت، أما متى قررت أن هذا ما أريد الاستمرار فيه وتكريس
اهتمامي في الاشتغال عليه، فكان في 2011
وهو عام بداية الحرب والمأساة السورية، وانتقالي مع عائلتي- كما حدث مع
كثيرين- من دمشق التي عشت فيها 20 عاماً إلى مدينة طرطوس وما تبع ذلك من تغيير وصعوبة
في التأقلم مع مكان عمل وحياة بشكل عام .. كانت الكتابة بمثابة وسيلة ذاتية للدفاع
وطريقة للتعبير عما لايمكن التعبير عنه بحديث عادي. "
أما عن الصعوبات و التحديات التي واجهتها أثناء رحلتها
مع الكتابة الأدبية و النشر و كيف ٲستطاعت أن تتخطاها وتتجاوزها،
تقول :
" عن الصعوبات
والتحديات وفي مجتمع مازال ينقصه الكثير من الوعي لفصل النص عن صاحبه والكف عن
البحث عن الكاتب في ما يكتب بدلاً من التفاعل مع ما يريد قوله ومحاولة التفكير فيه
وتقليبه ومقاربته والاستمتاع به حتى . أظن أنها المسألة الأكثر حساسية التي تواجهها الكاتبات عموما ومن
ثم الكتاب. إنها إحدى المشكلات والمعوقات باهظة الثمن حين تقرر أنثى تجاوزها، خاصة
حين تكون متزوجة وأم، عائق تجاوزه يتوقف على مدى قدرتك على كسب ثقة وإقناع المحيط
القريب وعلى مدى استعدادك لمواجهة التبعات، أستطيع القول بأني نجحت قليلاً ولكن يبقى الكثير مما أريد قوله
العائق الثاني هو الرقابة بالتأكيد والثالوث الذي مازال محرما لديها حتى لو
قاربته عن بعد
يبقى الرقيب أياً كان مقصلة الأدب
الإبداعي المؤثر
طبعا المعوقات المادية وتكاليف الطباعة التي باتت باهظة وصعوبة النشر عن
طريق الجهات الرسمية
عن دور النشر وتجربتي معها لا أستطيع الزعم أني وجدت صعوبات خاصة وأن
تعاوني الأول ( لست سوى بعضي 2014 و ليس
كل هذا الحريق 2016 ) كان مع دار أرواد للنشر وصاحبها المترجم والشاعر أحمد م أحمد
والمعروف عنه تعاونه وتسهيل الأمور قدر المستطاع وهو بعيد كل البعد عن عقلية
التاجر والربحية و التجربة الثالثة( الحرب خدعة بصرية 2018 )أيضاً كانت مع دار بعل في دمشق لصاحبها الشاعر
عيسى محمد والذي لا يقل دعما وتسهيلا لكن
بالمقابل هناك مشكلة هامة جداً واجهتها في الحالتين ألا وهي فكرة التسويق
والمشاركة في المعارض وهو ما لم يكن ضمن
التزامات الدارين اللتين اكتفيتا بالطباعة فقط
تجربتي الأخيرة كانت مع دار سويد للطباعة والنشر تكلفة ليست قليلة لكن قامت
الدار بإقامة حفل توقيع للديوان في مكتبة الأسد و شاركت في المعرض الدولي للكتاب
في مكتبة الأسد ومعرض الشارقة الدولي. "
" بخصوص موضوعات
إصداراتي: هناك بطبيعة الحال تداخل في موضوعات النصوص بين الإصدارات الأربعة كونها نصوص أفكار(التي تشغلني ) وليست نصوص
حدث، مع اختلاف نسب حضورها بين مجموعة وأخرى ، واختلاف طريقة المعالجة من حيث
الجانب الذي تناولته
حاولت في كثير من النصوص أن أكون
صوت الأنثى حين تعبر عن ذاتها المغيبة الخجولة ، عن حقها في الحب وإشكالية العلاقة
مع جسدها، ازدادت تلك المعالجة نضجاً في ديوان، حرائق خضراء الذي حاولت فيه مقاربة
مفاهيم حساسة من زاوية مختلفة كـ الشرف
والشهادة و الله .
تناولت في الإصدار الثالث ( الحرب خدعة بصرية ) والذي قال فيه أحد النقاد
" الديوان الذي لم تطلق فيه رصاصة " والإصدار الرابع مسألة الحرب خارج إطار الأيديولوجية محاولة
التأكيد على أن الانسان هو الأهم و أن الأيديولوجية استخدمت الانسان بدلاً أن
تخدمه،
هناك نصوص وجدانية، إضافة إلى نصوص بنفحة صوفية تقرأها في الإصدارات الأربعة. "
وكان ذلك - كما يرجح
المؤرخون- بداية الشعر للعام 1500 ق م
والذي وجدوه مدونا بالخط المسماري في بلاد مابين النهرين
بينما احتاجت الرواية وقتاً طويلاً لتكتب (فأول رواية وصلت كاملة وكانت لكاتب أمازيغي جزائري اسمه لوكيوس أبوليوس وقد كتبت بلغة النطق المحلي واسمها (الحمار الذهبي ) وحتى الرواية التي سبقتها، وكانت رواية رومانية لـ(ساثيريكون) والتي وصلت ناقصة -وصل منها القسم العلوي المعروف باسم "مأدبة تريمالخيو- فتعود إلى منتصف القرن الأول الميلادي )
أؤمن باللغة الكشفية والرؤيوية التي يتمتع بها الشعر والتي أكدتها حنا
آرندت حين قالت بما معناه حين تصبح الفلسفة عاجزة عن الإجابة عن أسئلة الحياة
دعونا ننظر إليها بعين الشعر
ويبقى للشعر وأخص الآن قصيدة النثر بما لها من سمات التكثيف والاختزال يبقى
له تلك القدرة على النفاذ إلى أعمق منطقة داخل المتلقي وإحداث تلك الخلخلة ذلك الهدم الضروري للبناء
أو تلك النشوة بصورة أو فكرة تشرخ السكون والعادي وتخالف المتوقع عبر الانزياحات
والابتكار اللغوي
وبرغم الحديث الكثير عن سيطرة الرواية فلن تكون الرواية يوماً بديلاً عن
الشعر الذي يستمد أسباب بقاءه من أمر جوهري إنساني متشابك. حين سُأل أدونيس هل
تخشى على الشعر من الموت صمت قليلاً ثم قال : يموت الشعر حين يموت الحب."
و ها هي تعبر لنا
عن رأيها في الأثر الذي يتركه الأدب على حياة الإنسان :
" هل يمكن للأدب أن يغير حياة القارئ إلى
الأفضل ..الأمر يتوقف على نوعية الأدب أولا ومن ثم مفهوم
(الأفضل ) الذي نطمح إليه وكل ذلك مرتبط بنوعية القارئ ومدى جديته
أذكر مقالا للأستاذ ياسر سكيف عن النص الذكي والقاريء الكسول! وأظن أن
العنوان يشرح نفسه إذ لابد من توفر نية
الفهم على الأقل لدى القارئ ومطلوب منه بذل مجهود في سبيل هذا الفهم ، هكذا يرتقي
الأدب بالقارئ ويجعل وعيه بذاته والحياة أفضل هذا الأفضل الذي يمكن أن يقدمه الأدب
وهل أهم من الوعي مفتاحاً يفتح من الأبواب ما يجعل حياته أفضل
لابد من أدب نخبوي ولابد من أدب يقترب من فهم القارئ لا كي يستقر هناك بل كي ينهض بهذا القارئ ينهض
بوعيه وذائقته
نعم حين يتوفر أدب (ينطق ولا يكتفي بالقول) كما قال درويش في جداريته وقارئ
تتوفر لديه نية الفهم سينتقل الأدب بالعالم وليس القارئ فقط إلى مكان أفضل
أحب أن أختم هذه الفقرة بما
قاله محمود درويش
أنا لست مني إن أتيت ولم أصل
أنا لست مني إن نطقت ولم أقل
أنا من قالت له الحروف الغامضات
أكتب تكن
واقرأ تجد "
تنهي الأديبة لجينة علي نبهان اللقاء معنا بالحديث عن عن مكانة و دور الأسرة فى حياتها، فتقول:
" بالنسبة لدور الأسرة لن
أدعي أن تقبل فكرة دخولي هذا العالم كان سهلاً في البداية فقد لاقيت معارضة
أتفهمها ، معاضة تحولت لاحقاً إلى تقبل ف دعم خاصة حقيقي
أنا لست مني إن أتيت ولم أصل أنا
لست مني إن نطقت ولم أقل ...أنا من قالت له الحروف الغامضات، أكتب تكن واقرأ تجد "

Commentaires
Enregistrer un commentaire