Article المقال Portrait البورتريه ( Novembre )
المترجم الأدبي
سمير جريس
أيقونة الترجمة الأدبية الألمانية
تصوير
ريم نجمي
نجيب محفوظ نجيب
كاتب و باحث و مترجم
بعد
حصوله على شهادة الثانوية العامة قرر أن يدرس اللغة الألمانية لأنها كانت لغة غير
شائعة في مصر حينئذ، و كان قراره هذا لاعتبارات و أسباب
عملية و مهنية بحتة.
بدأ حب
اللغة الألمانية والأدب الألماني ينمو ويكبر معه خلال دراسته في قسم اللغة
الألمانية بكلية الألسن على يد الأستاذ الدكتور الراحل مصطفى ماهر.
و بعد
تخرجه من كلية الألسن ٲلتحق بكلية الآداب جامعة القاهرة لكي يدرس دبلوما تخصصيا في
الترجمة الألمانية.
ثم
بعد حصوله على دبلوم الترجمة الألمانية من كلية الآداب بجامعة القاهرة، بدأ يدرس التاريخ
المصري والآثار المصرية القديمة والقبطية والإسلامية، لكي يعمل مرشدا سياحيا.
لكن
الٲقدار كان لها رٲي آخر، فما كاد ٲن يبدأ العمل مع السياح، حتى حدث الغزو العراقي
للكويت. فتوقف السياح الألمان عن زيارة مصر فجأة بعد الغزو.
سافر
بعدها إلى ألمانيا لكي يكمل دراسة الترجمة، فالتحق بكلية اللغات والترجمة في جامعة
ماينتس.
انتهى
من دراسته في جامعة ماينتس برسالة نال عنها درجة الماجستير بتقدير امتياز، كان
عنوانُها
"إشكاليات ترجمة الأدب الألماني إلى
اللغة العربية"
إنه
المترجم الأدبي الكبير الأستاذ سمير جريس الذي ترجم نحو 40 عملا أدبيا متميزا من
اللغة الألمانية إلى اللغة العربية خلال مشواره الإبداعي المتميز والثري والشديد
الخصوصية في مجال الترجمة الأدبية.
يرحل
بنا الأستاذ سمير جريس إلى الماضي عابرا و متجاوزا حواجز الزمن. يستعيد ذكريات
الطفولة الأولى و يحكي لنا فيقول :
" لعل أهم ما يجب ذكره هنا هو حبي للقراءة، وتنافسي مع شقيقتي
وشقيقي الأكبر مني سنا في القراءة – كنا نذهب بانتظام إلى مكتبة شبرا العامة (ولا
أعلم إن كانت لا تزال قائمة)، كانت مكتبة جميلة رحبة تشغل طابقا أرضيا في عمارة
قديمة في شارع متفرع من شارع شبرا، أعتقد كان اسمه "شارع كنيسة
الراهبات". في هذه المكتبة العامة اكتشفت العالم، واكتشفت حبي للأدب على وجه
الخصوص، ومنها استعرت وأنا في المرحلة الإعدادية كل أعمال توفيق الحكيم تقريبا،
والتهمتها التهاما – طبعا كانت القراءة سطحية إلى حد كبير، تبحث عن
"الحدوتة"، لكنها كانت مفيدة جدا. وعندما انتقلت إلى المرحلة الثانوية
وجدت في مكتبة مدرستي، المدرسة التوفيقية، ضالتي. كانت مكتبة المدرسة رائعة، فيها
مختلف أنواع المعرفة، ومنها استعرت كتبا لم تقتصر على الأدب، بل شملت أيضا موضوعات
في علم النفس والاجتماع (طبعا على قدر فهمي في تلك المرحلة). وأتذكر أنني اكتشفت
أعمال نجيب محفوظ الواقعية في تلك الفترة، فقرأت "بداية ونهاية"
و"زقاق المدق" و"خان الخليلي" وغيرها.
كانت إذن المكتبات العامة هي حجر الأساس في تكوين ذائقتي اللغوية والأدبية، وربما من غيرها ما كنت سأصبح مترجما أدبيا. وهذا ما يدفعني إلى التساؤل عن حال المكتبات العامة في الأحياء وفي المدارس الآن."
عن بداية حبه للغة الألمانية و الأدب الألماني يذكر لنا :
" الحقيقة كان اختياري قسم اللغة الألمانية في كلية الألسن بجامعة عين
شمس وليد الصدفة إلى حد كبير. عندما اجتزت امتحان الثانوية العامة، كنت – مثل معظم
أبناء جيلي – أود الالتحاق بإحدى "كليات القمة"، وفي حالتي كنت أريد
دراسة الطب. لكن مجموعي لم يؤهلني إلا لدراسة الطب البيطري، أو طب الأسنان خارج
القاهرة. وهكذا بدأت أملأ استمارة التنسيق وكتبت اختياراتي الأخرى: كلية الاقتصاد
والعلوم السياسة، ثم كلية الألسن. وكانت الكلية الأخيرة من نصيبي.
قررتُ عندئذ دراسة لغة غير شائعة في مصر
لاعتبارات عملية مهنية بحتة، أي لأجد عملًا بعد ذلك. وبما إن اللغتين الإنجليزية
والفرنسية منتشرتان في مصر، وهناك مدارس لغات تدرس هاتين اللغتين منذ الطفولة،
وأنا لم أكن من روادها – فقد رأيت أنه لن يكون لي حظّ كبير في المستقبل في لغتين
شائعتين، ولن تكون لي فرصة التميز فيهما، لذا فكرت في اللغة الألمانية، لا سيما
لوجود بعض الشركات الألمانية الكبرى في مصر. كما ترى، ثمة مجموعة من الأسباب،
وكانت أسباب عملية بحتة.
حب اللغة الألمانية والأدب الألماني نما وكبر
خلال دراستي في كلية الألسن على يد الأستاذ الدكتور الراحل مصطفى ماهر."
و ها
هو يتذكر مرحلة الدراسة في الجامعة فيسرد لنا :
" بدأت الدراسة بكلية الألسن في جامعة
عين شمس سنة عام 1980، هناك درستُ اللغة الألمانية والأدب الألماني لمدة أربع
سنوات. كانت كلية الألسن آنذاك منفصلة عن الجامعة، في مبنى خاص في حي الزيتون
الهادئ. كان هذا المبنى مقر المدرسة التي أسسها رفاعة رافع الطهطاوي عقب عودته من
باريس، ثم تحول عبر السنين إلى كلية.
عندما بدأت الدراسة، كان عدد الطلبة محدودا،
وكان من السهل التواصل مع الأساتذة، وكانت العلاقة بين الطلبة علاقة وثيقة. أتذكر
أننا كنا مقسمين إلى ثلاث مجموعات، وكل مجموعة لم تكن تزيد عن العشرين طالبا.
وأتذكر أن أستاذا من ألمانيا الشرقية آنذاك
كان يدرس لنا مادة "النطق"، حيث كان يأتي إلى الدرس ومعه جهاز تسجيل
عتيق، به بكرتان كبيرتان، وشريط مسجل عليه كلمات أو نص قصير، وكان علينا تكرار ما
نسمع حتى يستقيم لساننا الألماني. ثم كان على كل منا أن يقرأ بعض الكلمات التي
يسجلها لنا الأستاذ، ثم نسمع جميعا التسجيل، ويبدي الأستاذ ملاحظاته عن النطق،
وكيفية تحسينه.
تعلمنا أسس الترجمة على يد الدكتور الراحل
مصطفى محيي. كان، رحمه الله، أستاذا متمكنا صاحب علم غزير، ولم يكن يبخل به علينا،
لكنه كان عصبيا، يكثر من التدخين وشرب القهوة، وكان يخيف بعض الطلبة عندما يلعو صوته
إذا ارتكب أحد خطأ. أما الدكتور مصطفى ماهر فقد كانت لمحاضراته مذاق يختلف تماما عن أي محاضرات أخرى. بالرغم من
سمعته الأسطورية كأهم أساتذة الأدب الألماني في العالم العربي، كان يأتي إلى
الكلية بسيارة "فولكسفاجن" قديمة، وكنا نتعجب من أنها لا تزال تسير،
ويدخل إلى المحاضرة – متأخرا بعض الشيء - بشوشا متواضعا، ليس به أي سمة من سمات
السلطوية التي اتصف بها كثير من الأساتذة الأقل منه علما بدرجات كثيرة. لم يكن
يتحدث كثيرا في "المنهج"، بل كانت محاضراته أشبه بحديث مفتوح مع أبنائه
الطلبة، في موضوعات تبدو بعيدة عن موضوع الدراسة، لكنه كان بلمسة سحرية في نهاية
كلامه، يربطها بموضوع محاضرته. أتذكر أنه مرة أطال في الحديث عن فيلم السهرة في
اليوم السابق، وكان فيلم "الغيرة القاتلة"، أول أعمال المخرج عاطف
الطيب. راح يحلل الفيلم، ويقارن بينه وبين "عطيل" شكسبير، ليدفعنا إلى
التفكير في مفهوم اقتباس العمل الأدبي وتمصيره، ودور الترجمة في ذلك، وإلى اختلاف
العمل السينمائي عن العمل الأدبي. كان يحاول الابتعاد بطلابه عن أسلوب
"الحفظ" السائد في التعليم المصري، ويدفعنا إلى التفكير الحر، وإلى تبني
مفهوم شامل للثقافة. منه سمع عديد من الطلاب اسم بيتهوفن وموتسارت وفاجنر ربما
للمرة الأولى في حياتهم. كان يحثنا على الذهاب إلى الحفلات الموسيقية الكلاسيكية،
ويلفت انتباهنا إلى مواعيدها، لا سيما الحفلات المجانية التي كان يقيمها معهد جوته
بالقاهرة. واعتاد أن يقول ساخرا: سائق الأتوبيس الذي لا يتوقف عن استخدام آلة
التنبيه – لو كان سمع بيتهوفن، لما استخدمها أبدا!
بعد انتهائي من الدراسة في كلية الألسن
التحقت بكلية الآداب بجامعة القاهرة التي كانت تقدم دبلومًا متخصصًا في الترجمة،
لا أعلم إن كان لا يزال موجودًا أم لا. كانت مدة هذا الدبلوم سنتين فقط، وتضمنت
الدراسة تدريبات عملية على مختلف أنواع الترجمة ومنها طبعًا الترجمة الأدبية،
وأتذكر بالخير الأستاذ الدكتور الراحل كمال رضوان، أحد المسهمين في أهم القواميس
الألمانية العربية، قاموس شريجله، والأستاذة الدكتورة ناهد الديب أطال الله في
عمرها، وكانت تدرس لنا مادة الترجمة الأدبية، وهي التي حثتني على نشر القصص
القصيرة التي كنت أترجمها وأعرضها عليها. وهو ما فعلته، وهكذا نشرت أولى قصصي
المترجمة في مجلة "القاهرة" التي كانت تصدر شهرية آنذاك. "
سافر
ألمانيا لإستكمال دراسة علم الترجمة في جامعة ماينتس. وفي نهاية الدراسة حصل على
درجة الماجستير بتقدير إمتياز.
عن
هذه المرحلة الهامة و الفارقة في حياته العملية و المهنية، يحدثنا قائلا :
" بعد
حصولي على دبلوم الترجمة الألمانية من كلية الآداب بجامعة القاهرة، لم أجد
(بالطبع) عملا كمترجم، وكان المجال المهني الوحيد المتاح في تلك الفترة هو مجال
السياحة. وهكذا بدأت دراسة التاريخ المصري والآثار المصرية القديمة والقبطية
والإسلامية، حتى أعمل مرشدا سياحيا. وبالفعل اجتزت الاختبار الذي تقعده وزارة
السياحة وحصلت على ترخيص بالعمل كمرشد سياحي للوفود الألمانية. لكن الأقدار كانت
تخبئ لي مصيرا آخر. ما كدت أبدأ العمل مع السياح، حتى اجتاحت قوات صدام حسين
الكويت. ستقول لي وما دخلك بغزو الكويت؟ سأقول لك: بالضبط، هذا هو السؤال الذي
سألته لنفسي عندما انقطع السياح الألمان عن زيارة مصر فجأة بعد الغزو، فعلا بين
عشية وضحاها لم يعد أحد يأتي إلى مصر. وهكذا أصبحت عاطلا عن العمل مرة أخرى.
فكرت في
الاستفادة من الوقت حتى يعود السياح، وقلت لنفسي، لعلها فرصة للسفر إلى ألمانيا وإتقان
اللغة الألمانية، وربما إتمام دراسة الترجمة. وهو ما فعلته.
التحقت بكلية
اللغات والترجمة في جامعة ماينتس. كانت فترة الدراسة في
ألمانيا فترة شديدة الخصوبة بالنسبة لي، حيث تعرفت إلى نظريات الترجمة المختلفة،
وتعمقت في دراسة مشاكل الترجمة الأدبية، نظريا وعمليا، واستفدت من عدد كبير من
المراجع المكتوبة بالألمانية، ومنها الدراسة التي كتبها بالألمانية الدكتور عبده
عبود عن "تلقي الرواية الألمانية في المنطقة العربية"، وهي الرسالة التي
نال بها درجة الدكتوراه من جامعة فرانكفورت؛ وفيها قام د. عبود بمسحٍ شامل
للروايات الألمانية المترجمة إلى العربية، وبتقييم تلك الترجمات تقييما نقديا، كما
تقصى أسباب نجاح ترجمة ما أو فشلها.
تعلمت من تلك الرسالة
الكثير، لا سيما النقد العلمي الموضوعي للنصوص المترجمة، وتعلمتُ أيضا أهمية
اختيار العمل المناسب للترجمة الذي يلبي احتياجات القراء المتوقعين، وكذلك ضرورة
أن يقدم المترجم للقارئ معلومات أساسية عن العمل الذي يترجمه وعن الكاتب، ووضع
العمل المتَرجَم في السياق التاريخي والثقافي والمجتمعي لبلده. فالمقدمة الجيدة،
لا سيما بالنسبة إلى كاتب مجهول في الثقافة العربية، مفتاح مهم لفهم أدبه.
اختتمت دراستي في جامعة
ماينتس برسالة نلت عنها درجة الماجستير بتقدير امتياز، وكان عنوانُها "إشكاليات ترجمة الأدب الألماني إلى اللغة العربية"، واتخذت من إحدى قصص هاينريش بُل القصيرة" التي ترجمتُها مثالا. ولعل هذه الرسالة، بشقيها النظري
والتطبيقي، هي حجر الأساس في عملي اللاحق في مجال الترجمة الأدبية ونقد الترجمات.
قمت في الرسالة بمسح صغير لما تُرجم حتى تلك الفترة من أعمال هاينريش
بُل، وقدمت تقييمي النقدي لتلك الترجمات. ثم استعرضتُ المشاكل التي تعترض المترجم
العربي عند ترجمة القصة موضوع البحث، وقدمت اقتراحات للتغلب على هذه المشاكل بقدر
الإمكان، لا سيما ترجمة المفردات المرتبطة بالثقافة المنقول عنها والتي لا تعرفها
ثقافتنا العربية. وهذه المشكلة تحديدا من العوائق الكبيرة التي تعترض سبيل
المترجمين منذ بدء الترجمة، ومن بين مَن اعترضت طريقهم، على سبيل المثال، العلامة
ابن رشد –وهو مَن هو- عندما شرح كتاب أرسطو "فن الشعر"، إذ إن ابن رشد
أخطأ في شرح وتأويل أرسطو، والسبب في ذلك كما يقول الناقد المغربي عبد الفتاح
كيليطو في كتابه "لن تتكلم لغتي": "إنه كان يشرح كلاما في الأدب
اليوناني دون أن يكون على إطلاع بذلك الأدب، فلم يكن هناك بد، والحالة هذه، من سوء
الفهم." ويضيف كيليطو: "لم يكن ابن رشد يعرف إلا الشعر العربي"،
وكان "الغائب عن أفقه وأفق معاصريه هو المسرح". لذلك وقف عاجزا أمام
مصطلحين مثل الكوميديا والتراجيديا، ففسر الكوميديا، التي أطلق عليها "القوموديا"
بأنها فن الهجاء، الذي يعرفه من الشعر العربي، أما التراجيديا، أو الطراغوديا، فهي
–حسبما رأى- المديح. إذن ما لا نعرفه، لن نترجمه على نحو صحيح. وما هو ليس موجودا
في لغتي وثقافتي وأفقي المعرفي، لن أستطيع ترجمته على النحو الصحيح."
ٲما
عن سبب اختياره للعمل في مجال الترجمة الأدبية، يفسر لنا :
" كما ذكرت، كنا ونحن طلبة نرنو بإكبار وإعجاب إلى مصطفى ماهر (12/6/1936 – 7/4/2021) الذي ينتمي إلى جيل المؤسسين، فهو الذي أسس
أول قسم للدراسات الألمانية في العالم العربي، وترأس هذا القسم بكلية الألسن ما
يربو عن العشرين عاما. وهو أيضا شيخ مترجمي الألمانية، وأول من نقل عيون الأدب
الألماني إلى العربية مباشرة، وأغزر من ترجم عن لغة جوته، وأكثر المترجمين حضورا
على الساحة الثقافية العربية منذ الستينيات. ولم تقتصر جهود الأستاذ الدكتور ماهر
على التأسيس والتعليم والترجمة من الألمانية إلى العربية (نحو ستين عملا)، بل نقل
إلى الألمانية نحو أربعين عملا من الأدب والفكر العربي. كان الراحل صاحب معرفة
موسوعية، وعطاء علمي هائل، وإنجاز ضخم لا يباريه فيه أحد، وكأنه كان فريقا من
المترجمين والباحثين، يكتب، ويترجم، وينشر المقالات عن الأدب الألماني، وكذلك
دراسات تنظيرية في علم الترجمة والتواصل الثقافي، ويشرف على المئات من رسائل
الماجستير والدكتوراه. والمرء يتساءل حقا: من أين كان يأتي بالوقت لإنجاز هذا كله؟
هل كان غريبا بعد ذلك كله ألا يطمح الطالب في أن يقلد أستاذه، ويتجه
إلى الترجمة الأدبية؟ "
و
بالنسبة للتحديات و الصعوبات التى واجهها في مجال الترجمة الأدبية و في مجال
النشر، و كيف ٲستطاع أن يتخطاها و يتجاوزها و يتغلب عليها، فيصرح لنا :
" مدفوعا بتشجيع الدكتورة ناهد الديب خلال
دراستي في جامعة القاهرة، جمعتُ عدداً من القصص القصيرة من الأدب الألماني
المُعاصِر، وترجمتُها، وتقدَّمتُ بها إلى الأستاذ كمال رضوان ليُبدي رأيه فيها،
فقرأها وحثني على نشْرها. وبالفعل، تقدَّمتُ بهذه المجموعة إلى الهيئة المصريّة
العامّة للكِتاب في منتصف الثمانينيّات. وبعد شهور عَرَفتُ أنّ المجموعة أُجيزت
للنشر؛ ليس هذا فحسب، بل لقد كُلِّف أستاذي الدكتور مصطفى ماهر بكتابة مقدّمة لها،
وهو ما فعله مشكوراً. شعرتُ عندئذ بسعادة غامرة، فقريباً ستَصدر أولى ترجماتي،
وبمقدِّمة كَتبها أستاذي العلاّمة الجليل.
غير أن انتظاري
طال، وما زلت أنتظر حتى اليوم.
كنتُ بين الحين
والآخر أسأل تلفونيا عن موعد النشر، أو أذهب إلى دهاليز الهيئة الكافكاويّة
لمُقابلة الموظَّف المسؤول – لكنْ من دون جدوى. وربما ما زالت المجموعة منذ ذلك
الحين قابِعةً في أحد أدراج الهيئة، أو لعلّ الجرذان قد أتت عليها كلّها. ولأنّ
الترجمة كُتبت في عصر ما قبل الكمبيوتر، فقد ضاع نص الترجمة، ووئِدَ إلى الأبد
أوّلُ كتابٍ ترجمتُه.
في تلك الفترة
لم يكُن الأدب المُتَرجم يُنشَر إلّا في دُور النشر الحكوميّة التي تتسم في الغالب
بالبيروقراطية والبطء – ويزداد الأمر سوءا إذا كانت الترجمة لمُترجمٍ مُبتدئ، أو
لعملٍ لأديب غير مشهور. بعد التجربة الأولى المحبِطة، استجمعت شجاعتي بعد سنوات،
وكررت المحاولة، فجمعتُ مجموعة من القصص القصيرة للكاتب الألماني فولفجانج بورشرت،
وتقدَّمتُ بها إلى الروائي جمال الغيطاني الذي كان يُشرف آنذاك على سلسلة
"كِتاب اليوم". وبعد شهور علمت منه أن المجموعة أعجبته وأنه ينوي نشرها
قريبا. ثمّ سافرتُ إلى ألمانيا لمواصلة دراسة عِلم الترجمة، وعندما عدتُ في إحدى
الإجازات اتّصلتُ به تلفونيّاً لأعرف مصير المجموعة التي كان عنوانها "شدو
البلبل"، وفاجأني بأنّه ترك السلسلة، وأنّ المخطوطة قد ضاعت. كانت تلك هي
الصفعة الثانية التي تلقّاها المُترجِم الشابّ آنذاك.
كما ترى، كانت
بدايتي مع الترجمة الأدبيّة مُحبِطة إلى أقصى حد. كانت بدايةً تصرخُ بي: توقَّف،
هذا الطريق ليس طريقكَ! خذْها من قصيرها، وتعلَّم مهنةً أخرى.
لكنني "لم
آخذها من قصيرها"، ولم أفقد الأمل. جمعتُ ما لديّ من ترجمات، أو أعدتُ
كتابتها على الآلة الكاتبة، ثمّ تقدَّمت بها إلى هيئة قصور الثقافة في مصر التي
كانت تُصدِر سلسلة بعنوان "آفاق الترجمة". وبعد أعوام طويلة نُشرت
مجموعة "شدو البلبل" في عام 1998، أي أنّني احتجتُ إلى نحو عشرة أعوام
حتّى أستطيع نشرَ أوّل كِتاب مُترجَم لي.
أحدثت قصص تلك المجموعة صدى طيباً بالرغم من أنها تحتوي على كل أخطاء
البدايات، وأشاد بها القاص الكبير إبراهيم أصلان في مقالة بصحيفة الأهرام، واعتبر
قصة "الخبز" في المجموعة نموذجا لقصة قصيرة كانت –على حد قوله-
"تعبيراً عن حرب هائلة، هي الحرب العالمية الثانية، دون أن تأتي على ذكر هذه الحرب
بكلمة
واحدة." أما الناقد حسين عيد فقد عدّ المجموعة في كتابه "سحر الإبداع"
أهم مجموعة قصصية مترجمة خلال عام 1998.
ولأن الارتزاقَ
من الترجمة الأدبية أمرٌ بالغُ الصعوبة، لا سيما في بلادنا العربية، كان لا بد من
العمل في مهنة تدر عليّ دخلا معقولا، وتوفر لي بعض الوقت للترجمة الأدبية. لذلك
بدأت العمل في الصحافة الثقافية. في تلك الفترة كنتُ أسترق الوقت لكي أُنجز أولى
ترجماتي الطويلة، وهي رواية "مونتوك" للكاتب السويسري ماكس فريش التي
يتحدث فيها فريش بصراحة مذهلة عن حياته الشخصية وعلاقاته النسائية. وأتذكّر جيّداً
أنّني كنتُ –لضيق الوقت- أُترجم أجزاء من هذه الرواية على المقاهي، أو في القطار
أثناء السفر. وهكذا صدرت "مونتوك" في عام 2001، وهي ترجمة أعتزّ بها
كثيراً، على الرّغم من أنّها تحفل هي أيضا بأخطاء أخجل منها الآن، لا سيما الأخطاء
المطبعية والنحوية الكثيرة.
بعد نشر
الترجمة، سعدتُ للغاية عندما وصلتني رسالة بالبريد الإلكتروني من الروائي الكبير
صنع الله إبراهيم، هنَّأني فيها على اختياري لهذا العمل وما اعتبره "ترجمة
موفَّقة حافظتْ على شاعريّة الأصل". وأعتقدُ أنّ "مونتوك" أثّرت
بطريقة ما على صنع الله إبراهيم عندما كتبَ روايته الجميلة "التلصّص"
متحدِّثاً فيها بصراحة وجرأة عن أبيه.
بعد ذلك توالت
ترجماتي، وكان همّي، ولا يزال، هو نقل أعمال متميّزة من مُختلف اتّجاهات الأدب
الألماني المُعاصِر، سواء من ألمانيا أو النمسا أو سويسرا، أي أن أقدم بانوراما
للأدب الألماني بعد الحرب العالمية الثانية. "
خلال
مشواره الإبداعي المتميز و الثري و الشديد الخصوصية في مجال الترجمة الأدبية.
ترجم نحو 40 عملا أدبيا متميزا بين
الرواية و المسرحية و المقالات النقدية.
و ها
هو يختار لنا بعض الأعمال الأدبية التي ٲختار ٲن يترجمها نظرا لقربها إلى قلبه لكي
يحدثنا عنها بشكل مختصر :
" نعم،
وصلت الأعمال التي ترجمتها حتى الآن إلى نحو 40 عملا؛ وأعتبر من أهمّ ما تَرجمت:
رواية "عازفة البيانو" للنمساويّة إلفريده يلينك (نوبل 2004)، ورواية
"شتيلر" لماكس فريش، ورواية "العاصمة" لروبرت ميناسه،
وروايتَي "الوعد" و"العطل" للسويسري فريدريش دورنمات، ومونودارما
"الكونترباص" لباتريك زوسكيند، وكتاب توماس برنهارد "صداقة"، ورواية
"حياة" لدفيد فاجنر، وأخيرا رواية "اكتشاف البطء" لستن
نادولني، وكتاب "فهرس بعض الخسارات" ليوديت شالانسكي. هذه الأعمال
المُختلفة كلّ الاختلاف، يجمعها، في رأيي، القيمة الأدبيّة، وأنّها أعمال تستطيع
–على الرّغم من التصاقها بالتربة الألمانية– مخاطبَةَ وجدان القارئ العربي وعقله.
ربما أنتقي هنا
عملين أود أن أسلط الضوء عليهما، العمل الأول من ترجماتي المبكرة، وأعني مونودراما
"الكونترباص".
كنت قد قرأت
"العطر" لزوسكيند بترجمة نبيل الحفار وأعجبت بها مثل ملايين من القراء
في العالم كله. وفي مطلع التسعينيات قدم أحد مسارح مدينة كولونيا مونودراما
"الكونترباص"، فذهبت إلى مشاهدتها، ولم أكن قرأت النص بعد. وهناك انبهرت
بهذه المسرحية، ثم قرأت النص، وزاد افتتاني، بل واقتنيت المسرحية مسجلة على "سي
دي" واستمعت إليها عدة مرات، حتى كدت أحفظ مقاطع بأكملها.
مع "الكونترباص" (1980) بدأ نجاح زوسكيند الذي كان قد جرب قلمه في عدة أعمال نثرية لم تجد من ينشرها. وقد جذبني إليها قدرة زوسكيند على مخاطبة الإنسان في كل مكان، لأن "عازفه" يجعلنا ندرك أن مشاكله الشخصية والمهنية في الأوركسترا هي صورة لمشاكلنا نحن، فالأوركسترا – بترتيبه الهرمي، وكما يقول العازف الذي يجهل المشاهد اسمه – "صورة طبق الأصل من المجتمع البشري".
أما العمل
الآخر فهو من آخر الأعمال التي ترجمتها، وهو كتاب "فهرس بعض الخسارات"
ليوديت شالانسكي. هذا الكتاب من التجارب الممتعة في الترجمة، وكذلك من أشقها. هو
كتاب فريد، يمزج الوقائعَ
التاريخية والعلمية بالخيال الروائي، وفيه تقدم الكاتبة وجوها مختلفة لتراجيديا
الفناء والزوال.
والحقيقة، على
قدر بهجتي بهذه التجربة، على قدر حزني على مصير الترجمة. لقد انتهيت من الترجمة في
مطلع عام 2020، لكنها لم تصدر إلا في ربيع هذا العام قبيل معرض أبو ظبي للكتاب.
لكن الكتاب يبدو كالشبح، لا يجده أي شخص في أي مكتبة، لا في مصر، ولا خارج مصر.
وهذا شيء محزن للغاية الحقيقة. وعموما، فإن مشكلة التوزيع والتسويق لمطبوعات مشروع
"كلمة" الإماراتي مشكلة كبيرة جدا."
هو الذي يختار و
يقترح الكتب التي يقوم بترجمتها على دور النشر.
فكيف استطاع أن
يحقق هذا ... ها هو يجيب لنا
:
" معظم الأعمال التي ترجمتها أنا الذي
اقترحتها على الناشرين. ربما لأن لدي معرفة جيدة بالأدب الألماني، ومع الوقت أصبح
الناشرون يثقون في اختياراتي، ويوافقون عليها. وعموما أنا أحاول البحث عن أعمال
ذات صبغة إنسانية عامة (مثل مسرحية "مدرسة المستبدين" لإيريش كستنر،
ورواية "حياة" لدافيد فاجنر)، أو أعمال لها أهميتها أو شهرتها في السياق
الألماني، وأراها جديرة بأن يتعرف إليها القارئ العربي (مثل رواية "عازفة
البيانو" للحائزة على نوبل إلفريده يلينك ورواية "دون جوان" لبيتر
هاندكه الحاصل على نوبل 2019، والنوفيلا النفسية "حلم" لأرتور شنيتسلر،
ورواية "اكتشاف البطء" لستن نادولني)، أو لأنها حققت نقلة
فنية أو أسلوبية وبالتالي كانت لها أهمية نقدية (مثل "مونتاوك"
و"شتيلر" لماكس فريش)، أو لأنني أرى أن هذا العمل يثير اهتمام القارئ
العربي (مثلاً "الحيوان الباكي" لميشائيل كليبرج والذي يتحدث فيه عن
رحلته إلى لبنان وعلاقته بالشاعر عباس بيضون). وأحياناً أود أن أنقل عملاً لكاتب
يجهله القارئ العربي (مثل توماس برنهارد وكتابه "صداقة"). كما أنني أهتم بأعمال الكتاب من ألمانيا الشرقية
سابقا، لأنها تعالج قضايا الدكتاتورية والتحول الديمقراطي، وهي قضايا ذات أهمية كبيرة بالنسبة
إلينا في المنطقة العربية. لهذا قمت بترجمة رواية "قصص بسيطة" للكاتب
إنجو شولتسه. وأخيرا، قد تكون متعة قراءة نص جيد هي الدافع للترجمة؛ كان هذا هو
السبب في قيامي بترجمة أعمال مثل "الكونترباص" لباتريك زوسكيند و"العطل"
و"الوعد" لفريدريش دورنمات. "
كتب كتاب عن ( الكاتب جونتر جراس).
الكتاب
عبارة عن مقالات نقدية بعنوان : (جونتر جراس ومواجهة ما ٍض لا يمض).
عن
كيف بدأت فكرة هذا الكتاب و كيف تطورت إلى أن تم نشره، يشرح لنا و يقول :
" عندما جئت إلى ألمانيا
للدراسة، كان الأديب جونتر جراس ملء السمع والبصر، ليس فقط في الساحة الثقافية، بل
والساحة السياسية أيضا، لأنه كان من الأدباء الذين يعلو صوتهم بالانتقاد للسياسة
المحلية والدولية.
ثم حصل جراس عام 1999 على جائزة نوبل للأدب، وبالطبع زاد حضوره، وقرأت عندئذ
عددا من أعماله. ثم أتيحت لي الفرصة كصحفى أن أرافقه في رحلته إلى اليمن، تلك
الرحلة التي جمعته مع عدد من المبدعين العرب والألمان الذين عقدوا في صنعاء مؤتمرا
عن الرواية العربية والألمانية. منذ ذلك الحين وأنا أتابع أعماله وأكتب عنها، لا
سيما بعد الضجة التي أحاطت به في السنوات الأخيرة عندما اعترف بأنه شارك وهو فتى
في أحد أكثر الفرق النازية دموية، وهي فرقة "سلاح الإس إس"، ثم عندما
كتب قصيدة شهيرة يهاجم فيها إسرائيل لعزمها ضرب إيران بسبب مفاعلها النووي.
وعندما توفي جراس في عام 2015 ، وجدت لدي مادة صحفية كبيرة جدا تكونت عبر
السنين، فعكفت عليها، وقررت أن أطورها، وأن أضيف إليها حتى أطلع القارئ العربي على
أهم المحطات في حياة هذا الأديب الكبير. عرضت الفكرة على الناشرة كرم يوسف،
فتحمست، وهكذا صدر كتاب "جونتر جراس ومواجهة ماض لا يمضي".
و في
نهاية هذه الرحلة الشيقة مع المترجم الأدبي الألماني الكبير الأستاذ سمير جريس،
يشاركنا برأيه من خلال عمله لسنوات طويلة حافلة بالإنجازات المؤثرة في مجال
الترجمة الأدبية في دور و ٲثر الأدب في تغيير حياة الكاتب نفسه، فيقول :
" بكل تأكيد لا! كم من كاتب متميز ورائع، يعيش حياة
حافلة بالتناقضات والانتهازية والحقارة. لا، الأدب يغدو مع الوقت مثل الحرفة، قد
يتقنها الكاتب، لكنها لا تؤثر في حياته الشخصية أو تغير أخلاقه. "

Commentaires
Enregistrer un commentaire