Article المقال Portrait البورتريه ( Septembre )
الأديبة إيناس حليم
طائر يُحلق في سماء الإبداع الأدبي
بين القصة القصيرة والرواية
إعداد
نجيب محفوظ نجيب
كاتب و باحث و مترجم
كتبت الشعر وهي في الثانية عشرة من
عمرها، لكن البداية الحقيقية لرحلتها مع الكتابة كانت مع القصة القصيرة، فكتبت
ونشرت ثلاث مجموعات قصصية أولها بعنوان "أحبني لتعرف من أنا" صدرت عام
2010، والتي كانت امتدادًا لنصوص نشرتها بالاشتراك مع صديقتها المدوّنة "لبنى
غانم" على صفحة مدوَنة إلكترونية تحمل الاسم نفسه.
وفي عام 2013 صدرت لها المجموعة
القصصية الثانية "يحدث صباحًا" عن الهيئة العامة للكتاب، بينما صدر
الكتاب الثالث وعنوانه "تحت السرير" عن دار كيان للنشر عام 2014؛ كمشروع
كتابي وصوتي لمجموعة بورتريهات بالعامية المصرية فاز بمنحة مؤسسة المورد الثقافي
في مجال الأدب لعام 2013.
ستصدر روايتها الأولى إن شاء الله قريبا عن دار الشروق.
إنها الكاتبة القاصة والروائية
إيناس حليم.
*ها هي الأديبة إيناس حليم ترحل بنا
عبر الزمن وتتذكر معنا مراحل الطفولة والدراسة واهتماماتها وهواياتها خلال تلك
المراحل فتقول:
"كنتُ طفلة خجولة ونحيفة،
والحقيقة أنني لا أعرف أيًا من الصفتين كانت مدعاة للأخرى!
هل نحافتي هي سبب خجلي من الآخرين، أم أن خجلي هو ما كان يمتص طاقتي ومشاعري
وأفكاري فيجعلني أشبه بعود قصبٍ هشٍ؛ تكمن هشاشته في محاولة مقاومة صراعاته
الداخلية الكثيرة من أجل الاندماج مع الحياة!
لكنني في كل الأحوال كنتُ طفلة
تُحب الأصدقاء وتُقدسهم وتعتني بهم ربما أكثر من اعتنائها بنفسها، أعيش معظم الوقت
في عالم من خيالي، ليس هروبًا من الواقع بقدر ماهو استمتاع بذلك الخيال.
تأثرتُ في مرحلة الدراسة
الابتدائية مثل كل الأطفال بأفلام الكارتون وقصص المكتبة الخضراء، ثم بدأتُ في
المرحلة الإعدادية التفاعل مع العالم تحت تأثير الأفلام المصرية القديمة ومسلسلات
رمضان؛ لا سيما مسلسلات أسامة أنور عكاشة أو تلك المقتبسة عن أعمال أدبية، بالإضافة
إلى أنني قضيتُ سنوات كثيرة من عمري في تلك المرحلة في قراءة روايات الجيب
المصرية.
أما في المرحلة الثانوية فقد بدأتْ
تتكون لدي مشاعر وأفكار أخرى خارج الإطار المحدود للبيت والمدرسة، وكانت ذائقتي
القرائية حينها تميل إلى الشعر وروايات إحسان عبد القدوس ويوسف السباعي وقصص يوسف
إدريس، وكنتُ أنتهز إجازة الصيف من كل عام كي أذهب إلى الكُشك القريب من بيتنا في
الإسكندرية وأشتري أكبر كم تسمح به نقودي في تلك السن من أعمال هؤلاء الكتاب
أنفسهم، وأنتظر أن ينام جميع من في البيت كي أبدأ القراءة.
كما بدأ في تلك المرحلة أيضًا
غرامي بمشاهدة الأفلام الأمريكية الدرامية والرومانسية وحتى أفلام الرعب، كذلك
أفلام الشباب التي احتلت مساحة عريضة في دور السينما ومحلات تأجير شرائط الفيديو
في فترة التسعينات وبداية الألفينات.
أما بالنسبة للهوايات، فعلى الرغم
من أنني كنتُ أعزف على آلة "الأوكرديون" في فرقة الموسيقى المدرسية،
بالإضافة إلى محاولات فاشلة في الرسم ظننتها حينها تُعبر عن شيء ما، فإن هوايتي
الأساسية خلال تلك المراحل وحتى يومنا هذا كانت القراءة".
*وعن بداية حبها للقراءة والكتابة الذي بدأ معها منذ نعومة ٲظافرها، تحدثنا:
"بدأتُ قراءة قصص الأطفال منذ
كان عمري ست سنوات تقريبًا، ثم اتجهتُ تِباعًا لقراءة الشعر والروايات ومن ثم
القصص القصيرة، وكانت معظم قراءاتي عمومًا في مجال الأدب.
كان اختياري للأدب في البداية
فطريًا، مثل أي شخص يُحب أن يتعرف على العالم من خلال حكاية، لكن حين كبرت أيقنتُ
أن الأدب يستطيع أن يحوي في متنه كل شيء؛ التاريخ والفلسفة وعلم النفس، بل وكل
العلوم الإنسانية، بالإضافة إلى أنني رأيته الوسيلة الأمثل لتوثيق حكاية الإنسان
نفسه، صفاته وسلوكه وتعقيداته النفسية وكيفية تعاطيه مع العالم وتحولات ذلك العالم
من حوله.
كتبتُ قصصًا طفولية بسيطة في سن
السادسة، لكنني بدأتُ في التعرف على الكتابة بشكل فعلي، أو بالأحرى أدركتُ أن لدي
مشاعر تدفعني لأن أعبر عنها، وأنني أمتلك لغةً تخصني أستطيع أن أصيغ بها تلك
المشاعر في عبارات متسقة لها إيقاع ما، عندما كان عمري اثنى عشر عامًا تقريبًا،
كنتُ أكتب الخواطر والشعر والتدوينات الذاتية اليومية، بعضها مزقتها وبعضها لازلتُ
أحتفظ بها حتى اليوم".
*أما عن الخصوصية التي تمثلها لها
مرحلة الدراسة في الجامعة، تذكر لنا:
"الحقيقة
أن فترة الجامعة بالذات لها خصوصية كبيرة عندي،
إذ أنها الفترة التي عشتُ فيها في مصر وتعرفتُ بشكل كامل على نمط حياة مختلف
بالنسبة لفتاة وُلدت وعاشت طوال حياتها في بلد آخر.
كان عمري وقتها سبعة عشر عامًا،
عشتُ في سكن للبنات في إحدى مدن الصعيد بعيدة عن أسرتي وأهلي وأصدقائي، عرفتُ
وقتها كيف يستطيع المرء أن يُشيد حياةً كاملة في بقعة أرض غريبة عنه، يبنيها من
الصفر إذ أن ذلك الصفر كانت له أبعاد مختلفة -ربما ساذجة- مقارنة بالصفر المُتعارف
عليه عند الآخرين. تعلمتُ كيف أطهو وأغسل وأنظف وأتعرف على أُناس من بلاد وبيئات
مختلفة، تعلمتُ كيف أشتري طلبات البيت بالطريقة التي تشتريها بها الأمهات، وأن
أتحاور مع البقال والخباز وبائع الخضار ونادلي المطاعم، كما تعلمتُ كيف أحمي نفسي
من حماقات صبيان الشارع وشباب الجامعة وسائقي التاكسي.. وغيرها من تلك الأمور التي
ربما تبدو بسيطة جدًا بالنسبة لكثيرين، لكنها بالنسبة لي كانت اختبارات جديدة، بل
صادمة في بعض الأحيان، بعضها تتعلق صدمته بالمعنى الحرفي للشعور بالوحدة؛ ذلك الذي
عمّق بداخلي تثمينًا أكبر لقيمة الأسرة والأصدقاء، وبعضها الآخر علمني أن
التعاملات الحياتية اليومية مع البشر أحيانًا ما تكون معقدة جدًا، على الرغم ما قد
يبدو عليه أولئك البشر من بساطة ووداعة".
*وعن حبها وشغفها بكتابة القصة القصيرة والرواية، تحكي لنا الكاتبة إيناس حليم
وتحدثنا عن الفرق بين هذين النوعين من الكتابة فتقول:
"القصة
القصيرة كانت بدايتي الحقيقية في مشواري الأدبي، في البداية لم أستطع التعامل مع
هذا الفن على أنه مجرد بنية لسرد حكاية، حاولت الخروج من ذلك القالب النمطي للقصة
القصيرة ومنح نفسي فرصة التجول في مناطق تجريبية واختبار ألعاب سردية تناسب أدواتي
حينها في الكتابة، أردتُ الخروج من الإطار النمطي لفنيّات القصة القصيرة إلى مساحة
أرحب؛ عن طريق محاولات اختراع بنيات نصية جديدة بهدف جعل الحكاية جذابة وممتعة،
الحكاية التي ليست بالضرورة أن تكون مدهشة في فكرتها أو أحداثها، بقدر ما تكون
ناتجة عن رؤية مختلفة لقراءة هذا العالم، رؤية تُصدّر تلك القراءة بصورة تخصني
وحدي، وبإيقاع يخصني أيضًا.
وفي رأيي أن القصة القصيرة فن صعب
جدًا، تكمن صعوبته في كيفية خلق الدهشة داخل نص محدود من الكلمات؛ حتى لو كان عن
حكاية مألوفة تخص شخوصًا نمر بهم في حياتنا كل يوم، كما أنني أرى فِعل الكتابة في
حد ذاته فعلاً شديد الصعوبة، فالفكرة السنيمائية المتداولة عن الكتابة عن أنها
كلمات تنساب بسلاسة على الورق نتيجة شغف ما أو تحت ظل لحظة إلهام تنويرية تُحوّل
الصفحات البيضاء بسهولة إلى نصوص، هي فكرة رومانسية خاطئة وكاذبة، خاصة إذا ما كان
الكاتب من أولئك الذين يُصرّون على الاعتناء بجُملتهم؛ صياغةً ولغةً واتساقًا مع
كامل النص، فماذا إذا كان ذلك النص نصًا روائيًا!
الرواية
ليست نصًا عاديًا، بل هي معمار كامل يجب أن يتعامل معه الكاتب بحساسية شديدة ودقة
وتركيز في كل تفصيلة تخص البناء والحبكة والأحداث والشخصيات حتى لا تضيع منه خيوط
النص وتماسكه، كما يجب بالطبع أن تكون هناك زاوية خاصة بالكاتب ناتجة عن وعيه
وتجربته وقراءاته؛ يسرد من خلالها الحكاية.
*نشرت الكاتبة إيناس حليم ثلاثة مجموعات قصصية: (ٲحبني لتعرف من ٲنا)، (يحدث
صباحًا) و(تحت السرير: حكايات وبورتريهات بالعامية المصرية)، وها هي تُحدثنا عن
بداية مشوارها الأدبي، وتحكي لنا تفصيليًا عن تجربتها الخاصة بكل كتاب:
"في
عام 2008 كانت فكرة المدونات قد بدأت تنتشر في مصر قبل المنصات الأخرى لوسائل
التواصل الاجتماعي، أنشأتُ مدونة أسوةً بالآخرين وصرتُ أنشر على صفحتها نصوصًا
بسيطة ومتواضعة أدبيًا، لم يكن لدي أدنى توقع بأن تلك النصوص سوف تلقى صدى عند
قراء المدونات، لكن هذا ما حدث، وما شجعني أيضًا أن أكتب نصًا تلو الآخر وأنشره كل
فترة، قبل أن أتعرف عن طريق المدونات على صديقتي المدوّنة "لبنى غانم"،
ونُقرر أن ننشئ معًا مدونة مشتركة نتناوب على نشر قصة كل أسبوع على صفحتها، كانت
كلها قصصًا إنسانية ذات طابع رومانسي، ولم نتصور أن تلقى تلك القصص التفاعل الذي
وجدناه من قراء المدونات، والذين شجعتنا تعليقاتهم على تجميع تلك القصص ونشرها
ورقيًا.
كُتبت
تلك النصوص بنَفسٍ طازج وانفعالات صادقة، ربما لذلك السبب وجدتْ من يقرأها ويتفاعل
معها في الحالتين النشر الإلكتروني والورقي، وأتذكر أن الطبعة الأولى من المجموعة
القصصية التي صدرت بعنوان "أحبني لتعرف من أنا"، وهو اسم المدونة نفسه،
قد نفذت في وقت لا بأس به بالنسبة إلى كاتبتين شابتين تختبران تجربة النشر للمرة
الأولى. كان ذلك عام 2010، بعدها بسنتين صدرت لي مجموعة قصصية بعنوان "يحدث
صباحًا" عن الهيئة العامة للكتاب- سلسلة كتابات جديدة، وهي عبارة عن مجموعة
قصص قصيرة ذات نَفس غرائبي ومناخ واقعي سحري، والحقيقة أن تلك المجموعة وجدتْ
دعمًا أكبر مما تخيلته من عدد من الكتاب الكبار مثل: منصورة عز الدين، إبراهيم عبد
المجيد، عزت القمحاوي، طارق إمام، شعبان يوسف وعلاء الديب رحمة الله عليه، والذين
قالوا أو كتبوا عنها آراءً إيجابية ومُشجعة جدًا.
أما
الكتاب الثالث، فهو مشروع لكتاب مقروء ومسموع فاز بمنحة من مؤسسة المورد الثقافي
في مجال الأدب في دورة مارس2013، وهو عبارة عن مجموعة بورتريهات بالعامية المصرية
صدرت بعنوان "تحت السرير" عن دار كيان للنشر عام 2014، حيث كانت تجربة
ممتعة وفريدة من نوعها ومن أكثر التجارب التي أعتز بها في الكتابة، وأنا مؤمنة
عمومًا بأن مشروع الكاتب في الأساس هو أن يُخلص لتجربته التي يعمل عليها، حتى لو
لم يكن هنالك خيط يربط كل كتاب بالآخر، أما عن الرواية فستُشر قريبًا بإذن الله عن
دار الشروق، وهي تجربتي الأولى في كتابة الرواية".
*وبخصوص
الصعوبات والتحديات التي واجهتها خلال مشوارها الإبداعي، وكيف استطاعت أن تتخطاها
وتتجاوزها، فها هي توضح لنا:
"لا
أظن أنني تجاوزتها حتى الآن! فالصعوبات الحقيقية بالنسبة إلي هي عدم قدرتي على
التفرغ للكتابة وعدم توفر الوقت الكافي لها، وأعتقد أن تلك مشكلة الكثير من
الكاتبات اللواتي هجرن الكتابة لأنهن أمهات وتعملن بدوام كامل ولديهن التزامات
معنوية ومادية تجاه أسرهن، وبالتالي هجرن الكتابة التي هي مثلها مثل أي عمل يحتاج
إلى الممارسة كي يبقى المرء قادرًا على الإنتاج من خلاله، فكل كتاب نشرته تطلب مني
تحديًا كبيرًا وتضحيات على حساب عملي وأسرتي، وعلى الرغم من أنها من أجمل التحديات
واجهتها في حياتي، فإنني وبكل صدق اختبرتُ الفشل فيها لسنوات عديدة اقتربتُ معها
من حافة اليأس مئات المرات.
ووجه
آخر من تلك المعاناة وجودي في بلد آخر منعزلة -إلا بشكل افتراضي- عن المجتمع الذي
أرغب في الكتابة عنه، بعيدة عن الإسكندرية؛ المدينة التي أُصر على التمسك بها في
مشاريع كتاباتي، كمكان وكحالة، وبعيدة أيضًا عن الوسط الثقافي في مصر، والذي كان
سيشجعني الانخراط فيه على تسريع خطواتي في الكتابة".
*ٲما
عن رأيها في الدور والأثر الذي يتركه الأدب على حياة الإنسان، فتصرح لنا:
"سأتكلم
من واقع فكرتي الخاصة عن الأدب؛ قراءة الأدب من
أهم الممارسات التي تجعل البشر ينمون من الداخل، بمعنى أن الأدب يجعل الإنسان ينظر
إلى الحياة والبشر بعين طائر فيتعايش مع حكاياتهم ويرى جميع جوانبهم الخيرة
والشريرة، القوية والهشة.. فيستوعب اختلافاتهم بل ويتقمص أدوارهم أحيانًا! وإذا ما
استوعب الإنسان طبائع الآخرين واختلافاتهم سيتعامل معهم بقدر أكبر من التسامح،
وسيتشكل وعيه بالحياة بصورة أكثر عمقًا، بل أحيانًا يصل التعمق في قراءة الأدب أن
تكون تجارب كل الشخوص التي نقرأ عنها في كل كتاب بمثابة تجربة شخصية، يتعلم منها
القارئ كأنه عاشها بدلاً من أبطال تلك الحكايات في أزمنة وأمكنة أخرى.. فكل كتاب
هو بمثابة رحلة، وإذا استطاعت رحلة أن تغير شخصًا واحدًا ليعود منها بوعي ونمو
إنساني أكبر، فهذا كافٍ جدًا".
* تختم الأديبة إيناس حليم رحلتها الشيقة معنا بالحديث عن العمل الأدبي الذي سوف
تختار ٲن تكتبه قريبًا، وهل ستختار مجموعة قصصية أو رواية، وما سبب هذا الاختيار:
"ليس
هناك سبب محدد، فالفكرة هي ما تحدد القالب الأدبي المناسب لها سواء أكانت قصة أم
رواية أم أي قالب آخر.".

Commentaires
Enregistrer un commentaire